(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ(254)
وَقَوْلُهُ: (مِمَّا رَزَقْناكُمْ) حَثٌّ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَاسْتِحْقَاقٌ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) حَثٌّ آخَرُ لِأَنَّهُ يُذَكِّرُ بِأَنَّ هُنَالِكَ وَقْتًا تَنْتَهِي الْأَعْمَالُ إِلَيْهِ وَيَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْرَاكُ فِيهِ، وَالْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَانْتِفَاءُ الْبَيْعِ وَالْخُلَّةِ وَالشَّفَاعَةِ كِنَايَةٌ عَنْ تَعَذُّرِ التَّدَارُكِ لِلْفَائِتِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ يُحَصِّلُ مَا يَعُوزُهُ بِطُرُقٍ هِيَ الْمُعَاوَضَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْبَيْعِ، وَالِارْتِفَاقِ مِنَ الْغَيْرِ وَذَلِكَ بِسَبَبِ الْخُلَّةِ، أَوْ بِسَبَبِ تَوَسُّطِ الْوَاسِطَةِ إِلَى مَنْ لَيْسَ بِخَلِيلٍ.
وَالْخُلَّةُ - بِضَمِّ الْخَاءِ - الْمَوَدَّةُ وَالصُّحْبَةُ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْخَاءِ وَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ، وَتُطْلَقُ الْخُلَّةُ بِالضَّمِّ عَلَى الصَّدِيقِ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَغَيْرُهُ وَالْمُذَكَّرُ وَغَيْرُهُ قَالَ الْحَمَاسِيُّ:
أَلَا أَبْلِغَا خُلَّتِي رَاشِدًا ... وَصِنْوِي قَدِيمًا إِذَا مَا اتَّصَلْ
وَقَالَ كَعْبٌ: أَكْرِمْ بِهَا خُلَّةً، الْبَيْتَ.
فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ هُنَا بِالْخُلَّةِ الْمَوَدَّةُ، وَنَفْيُ الْمَوَدَّةِ فِي ذَلِكَ لِحُصُولِ أَثَرِهَا وَهُوَ الدَّفْعُ عَنِ الْخَلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً) [لُقْمَان: 33]
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْخَلِيلِ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ لَازِمِهِ وَهُوَ النَّفْعُ كَقَوْلِهِ: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ) [الشُّعَرَاء: 88] ، قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
وَقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ ... لَا أُلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
(وَلا شَفاعَةٌ)
وَثَبَتَتْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَأُشِيرَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا) [الْإِسْرَاء: 79] وَفُسِّرَتِ الْآيَةُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ أُصُولِ اعْتِقَادِنَا إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي إِنْكَارِهَا وَمُلَبِّسُونَ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ.
وَالشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ هَنَا مُرَادٌ بِهَا الشَّفَاعَةُ الَّتِي لَا يَسَعُ الْمَشْفُوعَ إِلَيْهِ رَدُّهَا، فَلَا يُعَارِضُ مَا وَرَدَ مِنْ شَفَاعَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِأَنَّ تِلْكَ كَرَامَةٌ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَأَذِنَ لَهُ فِيهَا إِذْ يَقُولُ: «اشْفَعْ تُشَفَّعْ»
فَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [الْبَقَرَة: 255] وَقَوْلِهِ: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) [الْأَنْبِيَاء: 28] وَقَوْلِهِ: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) [سبأ: 23] .
وَقَوْلُهُ: (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِينَ ظَاهِرًا الْمُشْرِكُونَ، وَهَذَا مِنْ بَدَائِعِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ صَالِحَةٌ أَيْضًا لِتَذْيِيلِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ لِقِتَالِ الْمُشْركين الَّذين بدأوا الدِّينَ بِالْمُنَاوَأَةِ، فَهُمُ الظَّالِمُونَ لَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ لِحِمَايَةِ الدِّينِ وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ.
وَذِكْرُ الْكَافِرِينَ فِي مَقَامِ التَّسْجِيلِ فِيهِ تَنْزِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَتْرُكُوا الْإِنْفَاقَ إِذْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، فَتَرْكُهُ وَالْكُفْرُ مُتَلَازِمَانِ، فَالْكَافِرُونَ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَالْمُؤْمِنُونَ لَا يَظْلِمُونَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) [فصلت: 6، 7] ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُصَوِّرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَكْمَلِ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ وَيُقَابِلُ حَالَهُمْ بِحَالِ الْكُفَّارِ تَغْلِيظًا وَتَنْزِيهًا، وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا اعْتَقَدَ بَعْضُ فِرَقِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ تُبْطِلُ الْإِيمَانَ كَمَا قدّمناه.