(وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ(14)
وَعُبِّرَ عَنِ النَّصَارَى بِـ (الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) هُنَا وَفِي قَوْلِهِ الْآتِي: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) [الْمَائِدَة: 82] تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اسْمَ دِينِهِمْ مُشِيرٌ إِلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَتْبَاعُهُ أَنْصَارًا لِمَا يَأْمُرُ بِهِ اللَّهُ، (كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) [الصَّفّ: 14] .
وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنْ يَنْصُرُوا الْقَائِمَ بِالدِّينِ بَعْدَ عِيسَى مِنْ أَتْبَاعِهِ، مِثْلَ بُولُسَ وَبُطْرُسَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ دُعَاةِ الْهُدَى وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَنْصُرُوا النَّبِيءَ الْمُبَشَّرَ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ عِيسَى قَبْلَ مُنْتَهَى الْعَالَمِ وَيُخَلِّصَ النَّاسَ مِنَ الضَّلَالِ (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) [آل عمرَان: 81] الْآيَةَ.
فَجَمِيعُ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ قَدْ لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمَهُ أَنْبِيَاؤُهُمْ وَبِخَاصَّةٍ النَّصَارَى، فَهَذَا اللَّقَبُ، وَهُوَ النَّصَارَى، حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ قَائِمَةٌ بِهِمْ مُتَلَبِّسَةٌ بِجَمَاعَتِهِمْ كُلِّهَا.
وَيُفِيدُ لَفْظُ (قالُوا) بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ الْكِنَائِيِّ أَنَّ هَذَا القَوْل غير مُوَفًّى بِهِ وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُوَفَّى بِهِ.
هَذَا إِذَا كَانَ النَّصَارَى جَمْعًا لِنَاصِرِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ عَلَى مَعْنَى النِّسْبَةِ إِلَى النَّصْرِ مُبَالَغَةً، كَقَوْلِهِمْ: شَعْرَانِيٌّ، وَلِحْيَانِيٌّ، أَيِ النَّاصِرُ الشَّدِيدُ النَّصْرِ فَإِنْ كَانَ النَّصَارَى اسْمَ جَمْعِ نَاصِرِيٍّ، بِمَعْنَى الْمَنْسُوبِ إِلَى النَّاصِرِيِّ، وَالنَّاصِرِيُّ عِيسَى، لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ النَّصَارَى جَمْعُ نَصْرَانِيٍّ، مَنْسُوبٌ إِلَى النَّصْرِ: كَمَا قَالُوا: شَعْرَانِيٌّ، وَلِحْيَانِيٌّ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَنْصَارَ اللَّهِ.
وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى قالُوا: إِنَّا نَصارى أَنَّهُمْ زَعَمُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ وَلَمْ يُؤَيِّدُوهُ بِفِعْلِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أُغْرِيَتْ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةُ وَهُمْ لَمْ يَزَالُوا إِلْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؟
فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْعَدَاوَةَ ثَابِتَةٌ بَيْنَهُمْ فِي الدِّينِ بِانْقِسَامِهِمْ فِرَقًا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي (سُورَةِ النِّسَاءِ) [171] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) وَذَلِكَ الِانْقِسَامُ يَجُرُّ إِلَيْهِمُ الْعَدَاوَةَ وَخَذَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
ثُمَّ إِنَّ دُوَلَهُمْ كَانَتْ مُنْقَسِمَةً وَمُتَحَارِبَةً، وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَأَلَّبُوا فِي الْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ تَخَاذَلُوا وَتَحَارَبُوا، وَلَا يَزَالُ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ إِلَى الْآنَ.
وَكَمْ ضَاعَتْ مَسَاعِي السَّاعِينَ فِي جَمْعِهِمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَأْلِيفِ اتِّحَادٍ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ لُطْفًا بِالْمُسْلِمِينَ فِي مُخْتَلِفِ عُصُورِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أُمَّةٍ أُخْرَى لَا يُنَافِي تَمَكُّنَ الْعَدَاوَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَفَى بِذَلِكَ عِقَابًا لَهُمْ عَلَى نِسْيَانِهِمْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ.