فهرس الكتاب

الصفحة 2373 من 4110

[سُورَة الْمَائِدَة(5): آيَة 106]

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ(106)

و (بَيْنِكُمْ) أَصْلُ (بَيْنَ) اسْمُ مَكَانٍ مُبْهَمٍ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُبَيِّنُهُ مَا يُضَافُ هُوَ إِلَيْهِ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِعِدَّةِ أَشْيَاءَ، وَهُوَ مَجْرُورٌ بِإِضَافَةِ شَهادَةُ إِلَيْهِ عَلَى الِاتِّسَاعِ.

وَأَصْلُهُ (شَهَادَةٌ) بِالتَّنْوِينِ وَالرَّفْعِ «بَيْنَكُمْ» بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ.

فَخَرَجَ (بَيْنَ) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ إِلَى مُطْلَقِ الِاسْمِيَّةِ كَمَا خَرَجَ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) [الْأَنْعَام: 94] فِي قِرَاءَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعَشَرَةِ بِرَفْعِ بَيْنُكُمْ.

وَارْتَفَعَ شَهادَةُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ اثْنانِ.

وَقَوْلُهُ: (اثْنانِ) خَبَرٌ عَنْ شَهادَةُ، أَيْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ فَأَخَذَ إِعْرَابَهُ، وَالْقَرِينَةُ وَاضِحَةٌ وَالْمَقْصُود الإيجاز.

وَمَعْنَى (مِنْكُمْ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْخِطَابِ بِقَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِذَا خَاطَبَ مُخَاطَبَهُ بِوَصْفٍ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِهِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْوَصْفِ، كَمَا قَالَ الْأَنْصَارُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ.

فَالْكَلَامُ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَعَلَى هَذَا دَرَجَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ.

وَقَوْلُهُ: (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) تَفْصِيلٌ لِلْحَالَةِ الَّتِي تَعْرِضُ فِي السَّفَرِ.

وَ (أَوْ) لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، وَالتَّقْسِيمُ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ: حَالِ الْحَاضِرِ وَحَالِ الْمُسَافِرِ، وَلِذَلِكَ اقْتَرَنَ بِهِ قَوْلُهُ: (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) فَهُوَ قَيْدٌ لِقَوْلِهِ: (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) .

وَجَوَابُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَشَهَادَةُ آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِكُمْ، فَالْمَصِيرُ إِلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ.

وَالضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ: السَّيْرُ فِيهَا.

وَالْمُرَادُ بِهِ السَّفَرُ.

وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي (تَحْبِسُونَهُما كضميري ضَرَبْتُمْ - وفَأَصابَتْكُمْ)

وَكُلُّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْجَمْعِ الْبَدَلِيِّ دُونَ الشُّمُولِيِّ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُخَاطَبِينَ صَالِحُونَ لِأَنْ يَعْتَرِيهِمْ هَذَا الْحُكْمُ وَإِنَّمَا يَحِلُّ بِبَعْضِهِمْ.

فَضَمَائِرُ جَمْعِ الْمُخَاطَبِينَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ كُلُّهَا.

وَإِنَّمَا جَاءَتْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، دَفْعًا لِأَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا التَّشْرِيعَ خَاصٌّ بِشَخْصَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ لِأَنَّ قَضِيَّةَ سَبَبِ النُّزُولِ كَانَتْ فِي شَخْصَيْنِ أَوِ الْخِطَابُ وَالْجَمْعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: (مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) تَوْقِيتٌ لِإِحْضَارِهِمَا وَإِمْسَاكِهِمَا لِأَدَاءِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ.

وَالْإِتْيَانِ بِـ (مِنْ) الِابْتِدَائِيَّةِ لِتَقْرِيبِ الْبَعْدِيَّةِ، أَيْ قُرْبِ انْتِهَاءِ الصَّلَاةِ.

وَقَدْ أَفَادَ تَنْكِيرُ (ثَمَنًا) فِي سِيَاقِ النَّفْيِ عُمُومَ كُلِّ ثَمَنٍ.

وَالْمُرَادُ بِالثَّمَنِ الْعِوَضُ، أَيْ لَا نُبَدِّلُ مَا أَقْسَمْنَا عَلَيْهِ بِعِوَضٍ كَائِنًا مَا كَانَ الْعِوَضُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بِهِ عَائِدًا إِلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا اسْتَشْهَدَا عَلَيْهِ مِنْ صِيغَةِ الْوَصِيِّ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا.

وَمَعْنَى كَوْنِ الثَّمَنِ، أَيِ الْعِوَضِ، ذَا قُرْبَى أَنَّهُ إِرْضَاءُ ذِي الْقُرْبَى وَنَفْعُهُ فَالْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، وَهُوَ مِنْ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِجَعْلِ الْعِوَضِ ذَاتَ ذِي الْقُرْبَى، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ شَيْءٌ مِنْ عَلَائِقِهِ يُعَيِّنُهُ الْمَقَامُ.

(وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ)

وَإِضَافَةُ الشَّهَادَةِ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ تَعْظِيمٌ لخطرها عِنْد الشَّهَادَة وَغَيْرِهِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ بِأَدَائِهَا كَمَا هِيَ وَحَضَّ عَلَيْهَا أَضَافَهَا إِلَى اسْمِهِ حِفْظًا لَهَا مِنَ التَّغْيِيرِ، فَالتَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ تَعَالَى تَذْكِيرٌ لِلشَّاهِدِ بِهِ حِينَ الْقَسَمِ.

وَفِي قَوْلِهِ (وَلا نَكْتُمُ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ هُنَا مَعْنَاهَا الْمُتَعَارَفُ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ خَاصٍّ يَعْرِضُ فِي مِثْلِهِ التَّرَافُعُ.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْيَمِينَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فَلَا نُطِيلُ بِرَدِّهِ فَقَدْ رَدَّهُ اللَّفْظُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت