(وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ(76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77)
وَالْمُرَادُ بِما فَتَحَ اللَّهُ إِمَّا مَا قَضَى اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْمَصَائِبِ فَإِنَّ الْفَتْحَ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ) [الْأَعْرَاف: 89] وَالْفَتَّاحُ الْقَاضِي بِلُغَةِ الْيَمَنِ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْبَيَانِ وَالتَّعْلِيمِ، وَمِنْهُ الْفَتْحُ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ بِإِظْهَارِ الْآيَةِ لَهُ وَهُوَ كِنَايَةٌ مَشْهُورَةٌ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَسْتَلْزِمُ بَيَانَ الْحَقِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) [الْبَقَرَة: 89] أَيْ يَسْأَلُونَهُمُ الْعِلْمَ بِالْأُمُورِ التَّشْرِيعِيَّةِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ، فَالْمَعْنَى بِمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ: (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) صِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهَا حُصُولُ الْفِعْلِ مِنْ جَانِبَيْنِ بَلْ هِيَ لِتَأْكِيدِ الِاحْتِجَاجِ أَيْ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْكُمْ بِهِ أَيْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ.
وَقَوْلُهُ: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) مِنْ بَقِيَّةِ مَقُولِهِمْ لِقَوْمِهِمْ وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ خِطَابًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) [الْبَقَرَة: 75] لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسُوا جَدِيرِينَ بِمِثْلِ هَذَا التَّوْبِيخِ وَحَسْبُهُمْ مَا تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهَامُ مِنَ الِاسْتِغْرَابِ أَوِ النَّهْيِ.
فَإِنْ قلت: لم لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ جَوَابُ الْمُخَاطَبِينَ بِالتَّبَرُّؤِ مِنْ أَنْ يَكُونُوا حَدَّثُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَمَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ: (وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) ؟
قُلْتُ: لَيْسَ الْقُرْآنُ بِصَدَدِ حِكَايَةِ مُجَادَلَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ فَإِنَّهَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُحْكَى مِنْهَا مَا فِيهِ شَنَاعَةُ حَالِهِمْ وَسُوءُ سُلُوكِهِمْ وَدَوَامُ إِصْرَارِهِمْ وَانْحِطَاطُ أَخْلَاقِهِمْ فَتَبِرِّيهِمْ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ كُبَرَاؤُهُمْ مِنَ التُّهْمَةِ مَعْلُومٌ، لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُحَدِّثُوا الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ وَلِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي (أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) إِلَخْ.
وَأَمَّا مَا فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ تَنَصُّلِهِمْ بِقَوْلِهِمْ (إِنَّا مَعَكُمْ) فَلِأَنَّ فِيهِ التَّسْجِيلَ عَلَيْهِم فِي قَوْلهم فِيهِ: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) .