(يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(19)
كَرَّرَ اللَّهُ مَوْعِظَتَهُمْ وَدَعْوَتَهُمْ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهُمْ فَسَادَ عَقَائِدِهِمْ وَغُرُورَ أَنْفُسِهِمْ بَيَانًا لَا يَدَعُ لِلْمُنْصِفِ مُتَمَسَّكًا بِتِلْكَ الضَّلَالَاتِ، كَمَا وَعَظَهُمْ وَدَعَاهُمْ آنِفًا بِمِثْلِ هَذَا عَقِبَ بَيَانِ نَقْضِهِمُ الْمَوَاثِيقَ.
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ تَكْرِيرٌ لِمَوْقِعِ قَوْلِهِ: (يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ) [الْمَائِدَة: 15] الْآيَاتِ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا بِوَصْفِ مَجِيئِهِ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ لِيُذَكِّرَهُمْ بِأَنَّ كُتُبَهُمْ مُصَرِّحَةٌ بِمَجِيءِ رَسُولٍ عَقِبَ رُسُلِهِمْ، وَلِيُرِيَهُمْ أَنَّ مَجِيئَهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ إِذْ كَانُوا يَجِيئُونَ عَلَى فِتَرٍ بَيْنَهُمْ.
وَذُكِرَ الرَّسُولُ هُنَالِكَ بِوَصْفِ تَبْيِينِهِ مَا يُخْفُونَهُ مِنَ الْكِتَابِ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ هُنَا قَدْ دَلَّ عَلَى مُسَاوَاةِ الرُّسُلِ فِي الْبَشَرِيَّةِ وَمُسَاوَاةِ الْأُمَمِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى الرِّسَالَةِ، وَمَا ذُكِرَ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ هُنَالِكَ إِنَّمَا كَانَ إِنْبَاءً بِأَسْرَارِ كُتُبِهِمْ وَمَا يُخْفُونَ عِلْمَهُ عَنِ النَّاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَسَاوِيهِمْ وَسُوءِ سُمْعَتِهِمْ.
وَحُذِفَ مَفْعُولُ (يُبَيِّنُ) لِظُهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ الشَّرِيعَةِ.