(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ(78) كانُوا لَا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ (79)
وَالْمَقْصُودُ إِثْبَاتُ أَنَّ الضَّلَالَ مُسْتَمِرٌّ فِيهِمْ فَإِنَّ مَا بَين دَاوُود وَعِيسَى أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ.
و (عَلى) فِي قَوْلِهِ: (عَلى لِسانِ داوُدَ) لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ الْمُسْتَعْمَلِ فِي تَمَكُّنِ الْمُلَابَسَةِ، فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِمَعْنَى بَاءِ الْمُلَابَسَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) [الْبَقَرَة: 5] ، قُصِدَ مِنْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْمُلَابَسَةِ، أَيْ لعنُوا بِلِسَان دَاوُود، أَيْ بِكَلَامِهِ الْمُلَابِسِ لِلِسَانِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي سِفْرِ الْمُلُوكِ وَفِي سِفْرِ المزامير أنّ دَاوُود لَعَنَ الَّذِينَ يُبَدِّلُونَ الدِّينَ، وَجَاءَ فِي الْمَزْمُورِ الثَّالِثِ وَالْخَمْسِينَ «اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ لِيَنْظُرَ هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبٍ اللَّهَ كُلُّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا مَعًا فَسَدُوا - ثُمَّ قَالَ - أَخْزَيْتُهُمْ لِأَنَّ الله قد رفضهم لَيْتَ مِنْ صُهْيُونَ خَلَاصَ إِسْرَائِيلَ»
وَفِي الْمَزْمُورِ 109 «قَدِ انْفَتَحَ عَلَيَّ فَمُ الشِّرِّيرِ وَتَكَلَّمُوا مَعِيَ بِلِسَانٍ كَذِبٍ أَحَاطُوا بِي وَقَاتَلُونِي بِلَا سَبَبٍ - ثُمَّ قَالَ - يَنْظُرُونَ إليّ وينغضون رءوسهم - ثُمَّ قَالَ - أَمَّا هُمْ فَيُلْعَنُونَ وَأَمَّا أَنْتَ فَتُبَارَكُ، قَامُوا وَخُزُوا أَمَّا عَبْدُكَ فَيَفْرَحُ» ذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا قَدْ ثَارُوا على دَاوُود مَعَ ابْنِهِ ابْشُلُومَ.
وَكَذَلِكَ لَعْنُهُمْ عَلَى لِسَانِ عِيسَى مُتَكَرَّرٌ فِي الأناجيل.
و «ذَلِك» إِشَارَةٌ إِلَى اللَّعْنِ الْمَأْخُوذِ مِنْ لُعِنَ أَوْ إِلَى الْكَلَامِ السَّابِقِ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ.
وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا كَأَنَّ سَائِلًا يَسْأَلُ عَنْ مُوجِبِ هَذَا اللَّعْنِ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ، أَيْ لَمْ يَكُنْ بِلَا سَبَبٍ.
وَ (مَا) فِي قَوْلِهِ (بِما عَصَوْا) مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ بِعِصْيَانِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مُعْتَدِينَ، فَعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالْمَصْدَرَيْنِ إِلَى التَّعْبِيرِ بِالْفِعْلَيْنِ مَعَ (مَا) الْمَصْدَرِيَّةِ لِيُفِيدَ الْفِعْلَانِ مَعْنَى تَجَدُّدِ الْعِصْيَانِ وَاسْتِمْرَارِ الِاعْتِدَاءِ مِنْهُمْ، وَلِتُفِيدَ صِيغَةُ الْمُضِيِّ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ قَدِيمٌ فِيهِمْ، وَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ أَنَّهُ مُتَكَرِّرُ الْحُدُوثِ.
فَالْعِصْيَانُ هُوَ مُخَالَفَةُ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالِاعْتِدَاءُ هُوَ إِضْرَارُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَإِنَّمَا عَبَّرَ فِي جَانِبِ الْعِصْيَانِ بِالْمَاضِي لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ فَلَمْ يَقْبَلِ الزِّيَادَةَ، وَعَبَّرَ فِي جَانِبِ الِاعْتِدَاءِ بِالْمُضَارِعِ لِأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ، فَإِنَّهُمُ اعْتَدَوْا على محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْذِيبِ وَالْمُنَافَقَةِ وَمُحَاوَلَةِ الْفَتْكِ وَالْكَيْدِ.
(كانُوا لَا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ)
وَأَطْلَقَ التَّنَاهِيَ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ عَلَى نَهْيِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ وَأَنَّ نَاهِيَ فَاعِلِ الْمُنْكَرِ مِنْهُمْ هُوَ بِصَدَدِ أَنْ ينهاه المنهيّ عِنْد مَا يَرْتَكِبُ هُوَ مُنْكَرًا فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ التَّنَاهِي.
فَالْمُفَاعَلَةُ مُقَدَّرَةٌ وَلَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً، وَالْقَرِينَةُ عُمُومُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ (فَعَلُوهُ) فَإِنَّ الْمُنْكَرَ إِنَّمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَيَسْكُتُ عَلَيْهِ الْبَعْضُ الْآخَرُ وَرُبَّمَا فَعَلَ الْبَعْضُ الْآخَرُ مُنْكَرًا آخَرَ وَسَكَتَ عَلَيْهِ الْبَعْضُ الَّذِي كَانَ فَعَلَ مُنْكَرًا قَبْلَهُ وَهَكَذَا، فَهُمْ يُصَانِعُونَ أنفسهم.
وَالْمرَاد بـ (مَا كانُوا يَفْعَلُونَ) تَرْكُهُمُ التَّنَاهِي.
وَأَطْلَقَ عَلَى تَرْكِ التَّنَاهِي لَفْظَ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ (لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ) مَعَ أَنَّهُ تَرْكٌ، لِأَنَّ السُّكُوتَ عَلَى الْمُنْكَرِ لَا يَخْلُو مِنْ إِظْهَارِ الرِّضَا بِهِ وَالْمُشَارَكَةِ فِيهِ.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِلْقَائِلِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ بِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ، وَأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ فِعْلٌ، وَهُوَ الِانْتِهَاءُ، أَيِ الْكَفُّ، وَالْكَفُّ فِعْلٌ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ التَّرْكَ هُنَا فِعْلًا.
وَقَدْ أَكَّدَ فِعْلَ الذَّمِّ بِإِدْخَالِ لَامِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ لِلْإِقْصَاءِ فِي ذَمِّهِ.