(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(135)
وَصِيغَةُ (قَوَّامِينَ) دَالَّةٌ عَلَى الْكَثْرَةِ الْمُرَادِ لَازِمُهَا، وَهُوَ عَدَمُ الْإِخْلَالِ بِهَذَا الْقِيَامِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْعَدْلِ إِلَى كَلِمَةِ (الْقِسْطِ) لِأَنَّ الْقِسْطَ كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ أُدْخِلَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِدَلَالَتِهَا فِي اللُّغَةِ الْمَنْقُولَةِ مِنْهَا عَلَى الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ، وَأَمَّا لَفْظُ الْعَدْلِ فَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: (شُهَداءَ لِلَّهِ) فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ عَلَائِقِ الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ.
وَلَمْ يُذْكَرْ تَعَلُّقَ الْمَشْهُودِ لَهُ بِمُتَعَلَّقِهِ وَهُوَ وَصْفُ شُهَداءَ لِإِشْعَارِ الْوَصْفِ بِتَعْيِينِهِ، أَيِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِحَقٍّ.
وَقَدْ جَمَعَتِ الْآيَةُ أَصْلَيِ التَّحَاكُمِ، وَهُمَا الْقَضَاءُ وَالشَّهَادَةُ.
قَوْلُهُ (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا)
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّأَثُّرِ بِأَحْوَالٍ يَلْتَبِسُ فِيهَا الْبَاطِلُ بِالْحَقِّ لِمَا يَحُفُّ بِهَا مِنْ عَوَارِضَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ رَعْيَهَا ضَرْبٌ مِنْ إِقَامَةِ الْمَصَالِحِ، وَحِرَاسَةِ الْعَدَالَةِ، فَلَمَّا أَبْطَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا التَّأَثُّرَ لِلَحْمِيَّةِ أُعْقِبَتْ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِإِبْطَالِ التَّأَثُّرِ بِالْمَظَاهِرِ الَّتِي تَسْتَجْلِبُ النُّفُوسَ إِلَى مُرَاعَاتِهَا فَيَتَمَحَّضُ نَظَرُهَا إِلَيْهَا.
وَتُغْضِي بِسَبَبِهَا عَنْ تَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ.
وَتَذْهَلُ عَنْهُ، فَمِنَ النُّفُوسِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْغِنَى يَرْبَأُ بِصَاحِبِهِ عَنْ أَخْذِ حَقِّ غَيْرِهِ، يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: هَذَا فِي غُنْيَةٍ عَنْ أَكْلِ حَقِّ غَيْرِهِ، وَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَمِيلُ إِلَى الْفَقِيرِ رِقَّةً لَهُ، فَيَحْسَبُهُ مَظْلُومًا، أَوْ يَحْسَبُ أَنَّ الْقَضَاءَ لَهُ بِمَالِ الْغَنِيِّ لَا يَضُرُّ الْغَنِيَّ شَيْئًا فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ التَّأْثِيرَاتِ بِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما) .
وَهَذَا التَّرْدِيدُ صَالِحٌ لِكُلٍّ مِنْ أَصْحَابِ هَذَيْنِ التَّوَهُّمَيْنِ، فَالَّذِي يُعَظِّمُ الْغَنِيَّ يَدْحَضُ لِأَجْلِهِ حَقَّ الْفَقِيرِ، وَالَّذِي يَرِقُّ لِلْفَقِيرِ يَدْحَضُ لِأَجْلِهِ حَقَّ الْغَنِيِّ، وَكِلَا ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الَّذِي يُرَاعِي حَالَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَيُقَدِّرُ إِصْلَاحَ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.