فهرس الكتاب

الصفحة 3859 من 4110

[سُورَة التَّوْبَة(9): آيَة 94]

(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(94)

ضَمِيرُ (يَعْتَذِرُونَ) عَائِدٌ إِلَى أَقْرَبِ مُعَادٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [التَّوْبَة: 90] فَإِنَّهُمْ فَرِيقٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَهُمُ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بَعْدَ رُجُوعِ النَّاسِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَجُعِلَ الْمُسْنَدُ فِعْلًا مُضَارِعًا لِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ وَالتَّكْرِيرِ.

و (إِذا) هُنَا مُسْتَعْمَلَةٌ لِلزَّمَانِ الْمَاضِي لِأَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْقُفُولِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَجُعِلَ الرُّجُوعُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْخَبَرِ عِنْدَ الرُّجُوعِ.

وَالْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقْصِدُونَ بِأَعْذَارِهِمْ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِيدُونَهَا مَعَ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ.

وَالنَّهْيُ فِي قَوْلِهِ: (لَا تَعْتَذِرُوا) مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّأْيِيسِ.

وَجُمْلَةُ: (لَنْ نُؤْمِنَ) فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِذَارِ لِعَدَمِ جَدْوَى الِاعْتِذَارِ، يُقَالُ: آمَنَ لَهُ إِذَا صَدَّقَهُ.

وَجُمْلَةُ: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ) تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ تَصْدِيقِهِمْ، أَيْ قَدْ نَبَّأْنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ بِمَا يَقْتَضِي تَكْذِيبَكُمْ.

ومِنْ اسْمٌ بِمَعْنَى بَعْضٍ، أَوْ هِيَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَدْ نَبَّأْنَا اللَّهُ الْيَقِينَ مِنْ أَخْبَارِكُمْ.

(وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) الْمَقْصُودُ فَتْحُ بَابِ التَّوْبَةِ لَهُمْ، وَالتَّنْبِيهُ إِلَى الْمِكْنَةِ مِنِ اسْتِدْرَاكِ أَمْرِهِمْ.

وَفِي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ بِالْوَعِيدِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا.

فَالْإِخْبَارُ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَمَلَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْكِنَايَةِ عَنِ التَّرْغِيبِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالتَّرْهِيبِ مِنَ الدَّوَامِ عَلَى حَالِهِمْ.

وَالْمُرَادُ: تُمَكُّنُهُمْ مِنْ إِصْلَاحِ ظَاهِرِ أَعْمَالِهِمْ، وَلِذَلِكَ أَرْدَفَ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) أَيْ تَصِيرُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى اللَّهِ.

فَالرَّدُّ بِمَعْنَى الْإِرْجَاعِ.

وَالْعُدُولُ عَنْ أَنْ يُقَالَ: ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَيْهِ، أَيْ إِلَى اللَّهِ، لِمَا فِي الْإِظْهَارِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، زِيَادَةً فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ.

وَاسْتَعْمَلَ (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْمُجَازَاةُ عَلَى كُلِّ مَا عَمِلُوهُ، أَيْ فَتَجِدُونَهُ عَالِمًا بِكُلِّ مَا عَمِلْتُمُوهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت