(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ(145)
وَالْمرَاد بالذين أُوتُوا الْكِتَابَ عَيْنُ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ مَا يَفْعَلُهُ أَحْبَارُهُمْ يَكُونُ قُدْوَةً لِعَامَّتِهِمْ فَإِذَا لَمْ يَتَّبِعْ أَحْبَارُهُمْ قِبْلَةَ الْإِسْلَامِ فَأَجْدَرُ بِعَامَّتِهِمْ أَنْ لَا يَتِّبِعُوهَا.
وَوَجْهُ الْإِظْهَارِ فِي مَقَامَ الْإِضْمَارِ هُنَا الْإِعْلَانُ بِمَذَمَّتِهِمْ حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ صَرِيحَةً فِي تَنَاوُلِهِمْ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْإِظْهَارِ فِي مَوْقِعِ الْإِضْمَارِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ زِيَادَةَ الْعِنَايَةِ وَالتَّمَكُّنِ فِي الذِّهْنِ.
وَالْمُرَادُ بِكُلِّ آيَةٍ آيَاتٌ مُتَكَاثِرَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ هُوَ قِبْلَةُ الْحَنِيفِيَّةِ.
وَإِطْلَاقُ لَفْظِ (كُلِّ) عَلَى الْكَثْرَةِ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فَيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ ... بِكُلِّ مُغَارِ الْفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
وَأَصْلُهُ مَجَازٌ لِجَعْلِ الْكَثِيرِ مِنْ أَفْرَادِ شَيْءٍ مُشَابِهًا لِمَجْمُوعِ عُمُومِ أَفْرَادِهِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى سَاوَى الْحَقِيقَةَ فَصَارَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي كُلِّ لَا يَحْتَاجُ اسْتِعْمَاله إِلَى قرينَة وَلَا إِلَى اعْتِبَارِ
تَشْبِيهِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ بِعُمُومِ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ حَتَّى إِنَّهُ يَرِدُ فِيمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ عُمُومُ أَفْرَادٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ هُنَا بِكُلِّ آيَةٍ فَإِنَّ الْآيَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ لَهَا عَدَدٌ يُحَاطُ بِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) [النَّحْل: 69] وَقَوْلُهُ: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) [يُونُس: 96] .
وَإِضَافَةُ قِبْلَةٍ إِلَى ضَمِيرِ الرَّسُولِ لِأَنَّهَا أَخَصُّ بِهِ لِكَوْنِهَا قِبْلَةَ شَرْعِهِ، وَلِأَنَّهُ سَأَلَهَا بِلِسَانِ الْحَالِ.
وَإِفْرَادُ الْقِبْلَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) مَعَ كَوْنِهِمَا قِبْلَتَيْنِ، إِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قِبْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَأَكْثَرُ مِنْ قِبْلَةٍ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ قِبْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ وَكَانُوا مُخَيَّرِينَ فِي اسْتِقْبَالِ الْجِهَاتِ، فَإِفْرَادُ لَفْظِ (قِبْلَتِهِمْ) عَلَى مَعْنَى التَّوْزِيعِ لِأَنَّهُ إِذَا اتَّبَعَ قِبْلَةَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ غَيْرَ مُتَّبِعٍ قِبْلَةَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى.
(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)
وَقَدْ بُولِغَ فِي هَذَا التَّحْذِيرِ بِاشْتِمَالِ مَجْمُوعِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ عَلَى عِدَّةِ مُؤَكِّدَاتٍ أَوْمَأَ إِلَيْهَا صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَفَصَّلَهَا صَاحِبُ «الْكَشْفِ» إِلَى عَشْرَةٍ وَهِيَ: الْقَسَمُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّامِ، وَاللَّامُ الْمُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ لِأَنَّهَا تَزِيدُ الْقَسَمَ تَأْكِيدًا، وَحَرْفُ التَّوْكِيدِ فِي جُمْلَةِ الْجَزَاءِ، وَلَامُ الِابْتِدَاءِ فِي خَبَرِهَا، وَاسْمِيَّةُ الْجُمْلَةِ، وَجَعْلُ حَرْفِ الشَّرْطِ الْحَرْفَ الدَّالَّ عَلَى الشَّكِّ وَهُوَ (إِنِ) الْمُقْتَضِي إِنَّ أَقَلَّ جُزْءٍ مِنَ اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ كَافٍ فِي الظُّلْمِ، وَالْإِتْيَانُ بِإِذَنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْجَزَائِيَّةِ فَإِنَّهَا أَكَّدَتْ رَبْطَ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ، وَالْإِجْمَالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فِي قَوْلِهِ: (مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ وَالِاهْتِمَامُ بِالْوَازِعِ يَؤُولُ إِلَى تَحْقِيقِ الْعِقَابِ عَلَى الِارْتِكَابِ لِانْقِطَاعِ الْعُذْرِ، وَجَعْلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ هُوَ نَفْسَ الْعِلْمِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الظَّالِمِينَ الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْمَعْهُودِينَ بِهَذَا الْوَصْفِ الَّذِينَ هُوَ لَهُمْ سَجِيَّةٌ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ مَا يَؤُولُ إِلَى تَحْقِيقِ الرَّبْطِ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَالشَّرْطِ أَوْ تَحْقِيقِ سَبَبِهِ أَوْ تَحْقِيقِ حُصُولِ الْجَزَاءِ أَوْ تَهْوِيلِ بَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لِأَجْلِهِ الشَّرْطُ.
وَالتَّعْبِيرُ بِالْعِلْمِ هُنَا عَنِ الْوَحْيِ وَالْيَقِينِ الْإِلَهِيِّ إِعْلَانٌ بِتَنْوِيهِ شَأْنِ الْعِلْمِ وَلَفْتٌ لِعُقُولِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَيْهِ لِمَا يَتَكَرَّرُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: (لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أَقْوَى دلَالَة على الاتصاف بِالظُّلْمِ مِنْ إِنَّك لظَالِم كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) [الْبَقَرَة: 67] .
وَالْمُرَادُ بِالظَّالِمِينَ الظَّالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ وَلِلظُّلْمِ مَرَاتِبُ دَخَلَتْ كُلُّهَا تَحْتَ هَذَا الْوَصْفِ.
وَالسَّامِعُ يَعْلَمُ إِرْجَاعَ كُلِّ ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ إِلَى ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ ظُلْمِ النَّفْسِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى عَقَائِدِهِمُ الضَّالَّةِ فَيَنْتَهِي ظُلْمُهُمْ أَنْفُسَهُمْ إِلَى الْكُفْرِ الْمُلْقِي فِي خَالِدِ الْعَذَابِ.