فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 2]

(ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)

وَيَجُوزُ الْإِتْيَانُ فِي مِثْلِ هَذَا بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الْمَوْضُوعِ لِلْقَرِيبِ وَالْمَوْضُوعِ لِلْبَعِيدِ.

قَالَ الرَّضِيُّ «وُضِعَ اسْمُ الْإِشَارَةِ لِلْحُضُورِ وَالْقُرْبِ لِأَنَّهُ لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ حِسًّا ثُمَّ يَصِحُّ أَنْ يُشَارَ بِهِ إِلَى الْغَائِبِ فَيَصِحُّ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ الْبُعْدِ لِأَنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْهُ غَائِبٌ، وَيَقِلُّ أَنْ يُذْكَرَ بِلَفْظِ الْحَاضِرِ الْقَرِيبِ فَتَقُولُ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقُلْتُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وَقُلْتُ لِهَذَا الرَّجُلِ، وَكَذَا يَجُوزُ لَكَ فِي الْكَلَامِ الْمَسْمُوعِ عَنْ قَرِيبٍ أَنْ تُشِيرَ إِلَيْهِ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ وَالْبُعْدِ كَمَا تَقُولُ: «وَاللَّهِ وَذَلِكَ قَسَمٌ عَظِيمٌ» لِأَنَّ اللَّفْظَ زَالَ سَمَاعُهُ فَصَارَ كَالْغَائِبِ وَلَكِنَّ الْأَغْلَبَ فِي هَذَا الْإِشَارَةُ بِلَفْظِ الْحُضُورِ فَتَقُولُ وَهَذَا قَسَمٌ عَظِيمٌ» اهـ، أَيِ الْأَكْثَرُ فِي مِثْلِهِ الْإِتْيَانُ بِاسْمِ إِشَارَةِ الْبَعِيدِ وَيَقِلُّ ذِكْرُهُ بِلَفْظِ الْحَاضِرِ، وَعَكْسُ ذَلِكَ فِي الْإِشَارَةِ لِلْقَوْلِ.

وَابْنُ مَالِكٍ فِي «التَّسْهِيلِ» سَوَّى بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ فِي الْإِشَارَةِ لِكَلَامٍ مُتَقَدِّمٍ إِذْ قَالَ: وَقَدْ يَتَعَاقَبَانِ (أَيِ اسْمُ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ) مُشَارًا بِهِمَا إِلَى مَا وَلِيَاهُ أَيْ مِنَ الْكَلَامِ، وَمَثَلَّهُ شَارِحُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ قِصَّةِ عِيسَى: (ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) [آل عمرَان: 58] ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) [آل عمرَان: 62] فَأَشَارَ مَرَّةً بِالْبَعِيدِ وَمَرَّةً بِالْقَرِيبِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ وَاحِدٌ، وَكَلَامُ ابْنِ مَالِكٍ أَوْفَقُ بِالِاسْتِعْمَالِ إِذْ لَا يَكَادُ يُحْصَرُ مَا وَرَدَ مِنَ الِاسْتِعْمَالَيْنِ فَدَعْوَى الرَّضِيِّ قِلَّةَ أَنْ يُذْكَرَ بِلَفْظِ الْحَاضِرِ دَعْوَى عَرِيضَةٌ.

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حُكْمُ الْإِشَارَةِ إِلَى غَائِبٍ غَيْرِ كَلَامٍ مِثْلَ الْإِشَارَةِ إِلَى الْكَلَامِ فِي جَوَازِ الْوَجْهَيْنِ لِكَثْرَةِ كِلَيْهِمَا أَيْضًا، فَفِي الْقُرْآنِ: (فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) [الْقَصَص: 15] فَإِذَا كَانَ الْوَجْهَانِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالُ مَجَالًا لِتَسَابُقِ الْبُلَغَاءِ وَمُرَاعَاةِ مُقْتَضَيَاتِ الْأَحْوَالِ.

وَقَدْ يُؤْتَى بِالْقَرِيبِ لِإِظْهَارِ قِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ فِي «الْحَمَاسَةِ» :

مَتَى يَأْتِ هَذَا الْمَوْتُ لَا يَلْفِ حَاجَةً ... لِنَفْسِيَ إِلَّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَاءَهَا

فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَتِ الْإِشَارَةُ فِي الْآيَةِ بِاسْتِعْمَالِ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِلْبَعِيدِ لِإِظْهَارِ رِفْعَةِ شَأْنِ هَذَا الْقُرْآنِ لِجَعْلِهِ بَعِيدَ الْمَنْزِلَةِ.

وَقَدْ شَاعَ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ تَمْثِيلُ الْأَمْرِ الشَّرِيفِ بِالشَّيْءِ الْمَرْفُوعِ فِي عِزَّةِ الْمَنَالِ لِأَنَّ الشَّيْءَ النَّفِيسَ عَزِيزٌ عَلَى أَهْلِهِ فَمِنَ الْعَادَةِ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي الْمُرْتَفَعَاتِ صَوْنًا لَهُ عَنِ الدُّرُوسِ وَتَنَاوُلِ كَثْرَةِ الْأَيْدِي وَالِابْتِذَالِ، فَالْكِتَابُ هُنَا لَمَّا ذُكِرَ فِي مَقَامِ التَّحَدِّي بِمُعَارَضَتِهِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي (الم) [الْبَقَرَة: 1] كَانَ كَالشَّيْءِ الْعَزِيزِ الْمَنَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَنَاوُلِهِمْ إِيَّاهُ بِالْمُعَارَضَةِ أَوْ لِأَنَّهُ لِصِدْقِ مَعَانِيهِ وَنَفْعِ إِرْشَادِهِ بِعِيدٌ عَمَّنْ يَتَنَاوَلُهُ بِهُجْرِ الْقَوْلِ كَقَوْلِهِم: (افْتَراهُ) [يُونُس: 38] وَقَوْلِهِمْ: (أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [الْأَنْعَام: 25] .

وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ) [الْأَنْعَام: 92] فَذَلِكَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى كِتَابٍ بَيْنَ يَدَيْ أَهْلِهِ لِتَرْغِيبِهِمْ فِي الْعُكُوفِ عَلَيْهِ وَالِاتِّعَاظِ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيِهِ.

وَلَعَلَّ صَاحِبَ «الْكَشَّافِ» بَنَى عَلَى مِثْلِ مَا بَنَى عَلَيْهِ الرَّضِيُّ فَلَمْ يَعُدَّ: ذلِكَ الْكِتابُ تَنْبِيهًا عَلَى التَّعْظِيمِ أَوِ الِاعْتِبَارِ، فَلِلَّهِ دَرُّ صَاحِبِ «الْمِفْتَاحِ» إِذْ لَمْ يُغْفِلْ ذَلِكَ فَقَالَ فِي مُقْتَضَيَاتِ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ: أَوْ أَنْ يَقْصِدَ بِبُعْدِهِ تَعْظِيمَهُ كَمَا تَقُولُ فِي مَقَامِ التَّعْظِيمِ ذَلِكَ الْفَاضِلُ وَأُولَئِكَ الْفُحُولُ وَكَقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا: (الم ذلِكَ الْكِتابُ (ذَهَابًا إِلَى بُعْدِهِ دَرَجَةً.

و (الْكتاب) فِعَالٌ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ إِمَّا مَصْدَرُ كَاتَبَ الْمَصُوغُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنَّ الْمَصْدَرَ يَجِيءُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَالْخَلْقِ، وَإِمَّا فِعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَلِبَاسٍ بِمَعْنَى مَلْبُوسٍ وَعِمَادٍ بِمَعْنَى مَعْمُودٍ بِهِ.

وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ كَتَبَ بِمَعْنَى جَمَعَ وَضَمَّ لِأَنَّ الْكِتَابَ تُجْمَعُ أَوْرَاقُهُ وَحُرُوفُهُ، فَإِنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكِتَابَةِ كُلِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْوَحْيِ وَجَعَلَ لِلْوَحْيِ كِتَابًا، وَتَسْمِيَةُ الْقُرْآنِ كِتَابًا إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ كِتَابَتِهِ لِحِفْظِهِ.

وَكِتَابَةُ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت