فهرس الكتاب

الصفحة 2024 من 4110

[سُورَة النِّسَاء(4): آيَة 162]

(لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا(162)

وَالرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ بَعِيدٌ عَنِ التَّكَلُّفِ وَعَنِ التَّعَنُّتِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِّ حَاجِبٌ، فَهُمْ يَعْرِفُونَ دَلَائِلَ صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَسْأَلُونَهُمْ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ.

وَعَطْفُ (الْمُؤْمِنُونَ) عَلَى (الرَّاسِخُونَ) ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ الْآيَاتِ الْخَوَارِقَ لِلْعَادَةِ.

فَلِذَلِكَ قَالَ (يُؤْمِنُونَ) أَيْ جَمِيعُهُمْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، أَيِ الْقُرْآنِ، وَكَفَاهُمْ بِهِ آيَةً، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ عَلَى الرُّسُلِ، وَلَا يُعَادُونَ رُسُلَ اللَّهِ تَعَصُّبًا وَحَمِيَّةً.

وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: (وَالْمُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكُونُوا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ، مِثْلَ الْيَهُودِيِّ الَّذِي كَانَ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ.

وَعَطْفُ (الْمُقِيمِينَ) بِالنَّصْبِ ثَبَتَ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، وَقَرَأَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الأقطار دون نَكِير فَعَلِمْنَا أَنَّهُ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ فِي عَطْفِ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِفَاتٍ مَحَامِدَ، عَلَى أَمْثَالِهَا، فَيَجُوزُ فِي بَعْضِ الْمُعْطُوفَاتِ النَّصْبُ عَلَى التَّخْصِيصِ بِالْمَدْحِ، وَالرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ لِلِاهْتِمَامِ، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي النُّعُوتِ الْمُتَتَابِعَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِدُونِ عَطْفٍ أَمْ بِعَطْفٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ - إِلَى قَوْله - وَالصَّابِرِينَ) [الْبَقَرَة: 177] .

قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي «كِتَابِهِ» «بَابُ مَا يَنْتَصِبُ فِي التَّعْظِيمِ وَالْمَدْحِ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صِفَةً فَجَرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ شِئْتَ قَطَعْتَهُ فَابْتَدَأْتَهُ» .

وَذَكَرَ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: «فَلَوْ كَانَ كُلُّهُ رَفْعًا كَانَ جَيِّدًا» ، وَمِثْلُهُ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ) [الْبَقَرَة: 177] ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْخِرْنَقِ:

لَا يبعدن قومِي الَّذِي هُمُو ... سُمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزُرِ

النَّازِلُونَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... وَالطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الْأُزُرِ

فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الْعَرَبِ: بِرَفْعِ (النَّازِلُونَ) وَنَصْبِ (الطَّيِّبِينَ) ، لِتَكُونَ نَظِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَجْرِي عَلَى قَصْدِ التَّفَنُّنِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْمُتَتَابِعَاتِ، وَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَعْطُوفَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ كَمَا فِي (سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي قَوْله:(والصَّابِئُونَ) فِي (سُورَةِ الْمَائِدَةِ) [69] .

وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ نَصْبَ (الْمُقِيمِينَ) خَطَأٌ، مِنْ كَاتِبِ الْمُصْحَفِ وَقَدْ عَدَّتْ مِنَ الْخَطَأِ هَذِهِ الْآيَةَ.

وَقَوْلِهِ: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ - وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ) [الْبَقَرَة: 177] وَقَوْلِهِ: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [طه: 63] .

وَقَوله: الصَّابِئُونَ فِي (سُورَةِ الْمَائِدَةِ) [69] .

وَقَرَأَتْهَا عَائِشَةُ، وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَالْجَحْدَرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: وَالْمُقِيمُونَ - بِالرَّفْعِ -.

وَلَا تُرَدُّ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا بِقِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ نَصْبَ الْمُقِيمِينَ وَنَحْوَهُ هُوَ مَظْهَرُ تَأْوِيلِ قَوْلِ عُثْمَانَ لِكُتَّابِ الْمَصَاحِفِ حِينَ أَتَمُّوهَا وَقَرَأَهَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ وَأَرَى لَحْنًا قَلِيلًا سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» .

وَهَذِهِ أَوْهَامٌ وَأَخْبَارٌ لَمْ تَصِحَّ عَنِ الَّذِينَ نُسِبَتْ إِلَيْهِمْ.

وَمِنَ الْبَعِيدِ جدّا أَن يخطئ كَاتِبُ الْمُصْحَفِ فِي كَلِمَةٍ بَيْنَ أَخَوَاتِهَا فَيُفْرِدَهَا بِالْخَطَأِ دُونَ سَابِقَتِهَا أَوْ تَابِعَتِهَا، وَأَبْعَدَ مِنْهُ أَنْ يَجِيءَ الْخَطَأُ فِي طَائِفَةٍ مُتَمَاثِلَةٍ مِنَ الْكَلِمَاتِ وَهِيَ الَّتِي إِعْرَابُهَا بِالْحُرُوفِ النَّائِبَةِ عَنْ حَرَكَاتِ الْإِعْرَابِ مِنَ الْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ عَلَى حَدِّهِ.

وَلَا أَحْسَبُ مَا رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ صَحِيحًا.

وَقَدْ عَلِمْتُ وَجْهَ عَرَبِيَّتِهِ فِي الْمُتَعَاطِفَاتِ، وَأَمَّا وَجْهُ عَرَبِيَّةِ (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) فَيَأْتِي عِنْدَ الْكَلَام فِي (سُورَةِ طه) [63] .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِ عُثْمَانَ هُوَ مَا وَقَعَ فِي رَسْمِ الْمُصْحَفِ مِنْ نَحْوِ الْأَلِفَاتِ الْمَحْذُوفَةِ.

قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : «وَهُمْ كَانُوا أَبْعَدَ هِمَّةً فِي الْغَيْرَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَذَبِّ الْمَطَاعِنِ عَنْهُ مِنْ أَنْ يَتْرُكُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ ثُلْمَةً لِيَسُدَّهَا مَنْ بَعْدَهُمْ وَخَرْقًا يَرْفُوهُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِمْ» .

وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ) فِي (سُورَةِ الْبَقَرَةِ) [177] .

وَالْوَعْدُ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاسِخِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِرَسُولِهِمْ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ لَهُمْ أَجْرَيْنِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا غَيْرَهُمْ بِالْإِيمَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت