فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 120]

(وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(120)

عَطْفٌ عَلَى قَوْله: (وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) [الْبَقَرَة: 119] أَوْ عَلَى (إِنَّا أَرْسَلْناكَ) [الْبَقَرَة: 119] وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْكَلَامُ الْمُؤَيِّسُ مِنْ إِيمَانِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ قَبْلَهُ التَّأْنِيسَ وَالتَّسْلِيَةَ عَلَى نَحْوِ مَجِيءِ الْعِتَابِ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْعَفْوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) [التَّوْبَة: 43] وَهَذَا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَالنَّفْيُ بِـ (لَنْ) مُبَالغَة فِي التأييس لِأَنَّهَا لنفي الْمُسْتَقْبل وتأبيده.

وَمَعْنَى الْغَايَةِ فِي (حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) الْكِنَايَةُ عَنِ الْيَأْسِ مِنِ اتِّبَاعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا لَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِ مِلَّتَهُمْ فَهُمْ لَا يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ، وَلَمَّا كَانَ اتِّبَاعُ النَّبِيءِ مِلَّتَهُمْ مُسْتَحِيلًا كَانَ رِضَاهُمْ عَنْهُ كَذَلِكَ عَلَى حَدِّ (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) [الْأَعْرَاف: 40]

وَقَوْلُهُ: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) [الْكَافِرُونَ: 2، 3]

وَالتَّصْرِيحُ بِلَا النَّافِيَةِ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: (وَلَا النَّصارى) لِلتَّنْصِيصِ عَلَى استقلالهم بِالنَّفْيِ وَعدم الِاقْتِنَاعُ بِاتِّبَاعِ حَرْفِ الْعَطْفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُظَنُّ بِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ لِإِظْهَارِهِمْ شَيْئًا مِنَ الْمَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) [الْمَائِدَة: 82] وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيءِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ مِلَّتَهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُ جَاءَ بِنَسْخِ كِتَابَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى)

وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْهُدَى وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنَ الْهُدَى لِأَنَّ أَكْثَرَهُ مِنَ الْبَاطِلِ.

فَإِضَافَةُ الْهُدَى إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفٌ، وَالْقَصْرُ إِضَافِيٌّ.

وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ حَرَّفُوهُ وَوَضَعُوهُ، فَيَكُونُ الْقَصْرُ إِمَّا حَقِيقِيًّا ادِّعَائِيًّا بِأَنْ يُرَادَ هُوَ الْهُدَى الْكَامِلُ فِي الْهِدَايَةِ فَهُدَى غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هُدَى الْقُرْآنِ كَلَا هُدًى لِأَنَّ هُدَى الْقُرْآنِ أَعَمُّ وَأَكْمَلُ فَلَا يُنَافِي إِثْبَاتَ الْهِدَايَةِ لِكِتَابِهِمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدًى وَنُورٌ) [الْمَائِدَة: 44] وَقَوْلُهُ: (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ) [الْمَائِدَة: 46]

وَإِمَّا قَصْرًا إِضَافِيًّا أَيْ هُوَ الْهُدَى دُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مِلَّةٍ مُبْدَلَةٍ مَشُوبَةٍ بِضَلَالَاتٍ وَبِذَلِكَ أَيْضًا لَا يَنْتَفِي الْهُدَى عَنْ كَثِيرٍ من التعاليم والنصائح الصَّالِحَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَأَهْلِ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ وَالتَّجْرِبَةِ لَكِنَّهُ هُدًى نَاقِصٌ.

وَقَوْلُهُ: (هُوَ الْهُدى) الضَّمِير ضمير فصل.

وَالتَّعْرِيفُ فِي الْهُدَى تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الدَّالِّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ مِنْ طُرُقِ الْحَصْرِ هُمَا ضَمِيرُ الْفَصْلِ وَتَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِفَادَةُ تَحْقِيقِ مَعْنَى الْقَصْرِ وَتَأْكِيدِهِ لِلْعِنَايَةِ بِهِ فَأَيُّهُمَا اعْتَبَرْتَهُ طَرِيقَ قَصْرٍ كَانَ الْآخَرُ تَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ وَلِلْخَبَرِ أَيْضًا.

وَالتَّوْكِيدُ بِـ (إِنَّ) لِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ وَتَحْقِيقِ نِسْبَتِهِ وَإِبْطَالِ تَرَدُّدِ الْمُتَرَدِّدِ لِأَنَّ الْقَصْرَ الْإِضَافِيَّ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ رَدَّ اعْتِقَادِ الْمُخَاطَبِ قَدْ لَا يَتَفَطَّنُ الْمُخَاطَبُ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ فَزِيدَ هُنَا مُؤَكَّدٌ آخَرُ وَهُوَ حَرْفُ (إِنَّ) اهْتِمَامًا بِتَأْكِيدِ هَذَا الْحُكْمِ.

فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ عِدَّةُ مُؤَكِّدَاتٍ هِيَ: حَرْفُ (إِنَّ) وَالْقَصْرُ، إِذِ الْقَصْرُ تَأْكِيدٌ على تَأْكِيد مَا فِي «الْمِفْتَاحِ» فَهُوَ فِي قُوَّةِ مُؤَكِّدَيْنِ، مَعَ تَأْكِيدِ الْقَصْرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَهِيَ تَنْحَلُّ إِلَى أَرْبَعَةِ مُؤَكِّدَاتٍ لِأَنَّ الْقَصْرَ بِمَنْزِلَةِ تَأْكِيدَيْنِ وَقَدِ انْضَمَّ إِلَيْهِمَا تَأْكِيدُ الْقَصْرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ (إِنَّ) .

وَقَوْلُهُ: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)

اللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وَذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْخَبَرِ وَتَحْقِيقٌ لَهُ.

وَعَبَّرَ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ هُنَالِكَ بِالْمِلَّةِ نَظَرًا لِاعْتِقَادِهِمْ وَشُهْرَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَعَبَّرَ عَنْهَا هُنَا بِالْأَهْوَاءِ بَعْدَ أَنْ مَهَّدَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى) فَإِنَّ الْهَوَى رَأَيٌ نَاشِئٌ عَنْ شَهْوَةٍ لَا عَنْ دَلِيلٍ، وَلِهَذَا لَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ الرَّاجِعِ لِلْمِلَّةِ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ فَشَمِلَتْ أَهْوَاؤُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيءِ وَبِالْقُرْآنِ وَاعْتِقَادَهُمْ أَنَّ مِلَّتَهُمْ لَا يَنْقُضُهَا شَرْعٌ آخَرُ.

وَقَوْلُهُ: (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) تَحْذِيرٌ لِكُلِّ مَنْ تَلَقَّى الْإِسْلَامَ أَنْ لَا يَتَّبِعَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَهْوَاءَ الْأُمَمِ الْأُخْرَى، جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ تَحْذِيرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65] وَهُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَدَلِيلُ جَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّ اللَّامَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ فَالْجَوَابُ لَهَا.

وَجِيءَ بِ (إِنِ) الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي تَأْتِي فِي مَوَاقِعِ عَدَمِ الْقَطْعِ بِوُقُوعِ شَرْطِهَا لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ ضَعِيفٌ فِي شَأْنِ النَّبِيءِ [1] وَالْمُسْلِمِينَ.

وَالْوَلِيُّ الْقَرِيبُ وَالْحَلِيفُ.

وَالنَّصِيرُ كُلُّ مَنْ يُعِينُ أَحَدًا عَلَى مَنْ يُرِيدُ بِهِ ضُرَّا وَكِلَاهُمَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.

وَعَطْفُ النَّصِيرِ عَلَى الْوَلِيِّ احْتِرَاسٌ لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلِيِّ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ نَصِيرٍ إِذْ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ وَلِيٌّ لِكَوْنِهِ دَخِيلًا فِي قَبِيلَةٍ وَيَكُونُ أَنْصَارُهُ مِنْ جِيرَتِهِ.

وَكَانَ الْقَصْدُ مِنْ نَفْيِ الْوِلَايَةِ التَّعْرِيضَ بِهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فَنَفَى ذَلِكَ عَنْهُمْ حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوا دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نَفَى الْأَعَمَّ مِنْهُ وَهَذِهِ نُكْتَةُ عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى نَفْيِ الْأَعَمِّ.

وَقَدِ اشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) إِلَى آخِرِهَا عَلَى تَحْذِيرٍ مِنَ الطَّمَعِ فِي اسْتِدْنَاءِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى بِشَيْءٍ مِنَ اسْتِرْضَائِهِمْ طَمَعًا فِي إِسْلَامِهِمْ بِتَأَلُّفِ قُلُوبِهِمْ فَأَكَّدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِعَشَرَةِ مُؤَكِّدَاتٍ وَهِيَ الْقَسَمُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّامِ الْمُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ.

وَتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الْجَزَاءِ بِـ (إِنَّ) وَبِلَامِ الِابْتِدَاءِ فِي خَبَرِهَا.

وَاسْمِيَّةُ جُمْلَةِ الْجَزَاءِ وَهِيَ (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) .

وَتَأْكِيدُ النَّفْيِ بِمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ وَلِيٍّ.

وَالْإِجْمَالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ اسْمِ الْمَوْصُولِ وَتَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ مِنَ الْعِلْمِ.

وَجَعْلُ الَّذِي جَاءَ (أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْهِ) هُوَ الْعِلْمُ كُلُّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِغَيْرِهِ لِنُقْصَانِهِ.

وَتَأْكِيدُ (مِنْ وَلِيٍّ) بِعَطْفِ (وَلا نَصِيرٍ) الَّذِي هُوَ آيِلٌ إِلَى مَعْنَاهُ وَإِنِ اخْتَلَفَ مَفْهُومُهُ، فَهُوَ كالتأكيد بالمرادف.

[1] الأولى أن تكون العبارة هكذا: لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ [محال] فِي شَأْنِ النَّبِيءِ، وَضَعِيفٌ فِي شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ.] لمكان عصمته - صلى الله عليه وسلم -. اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت