فهرس الكتاب

الصفحة 3925 من 4110

[سُورَة التَّوْبَة(9): آيَة 129]

(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(129)

الْتَفَتَ الْكَلَامُ مِنْ خِطَابِ الْعَرَبِ إِلَى خِطَابِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُخَاطَبُوا هُمْ بِهِ اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةِ حَرْفِ التَّفْرِيعِ فَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ.

وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ فَحَسْبُهُ اللَّهُ وَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ.

فَجِيءَ بِهَذَا النَّظْمِ الْبَدِيعِ الْإِيجَازِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَرَاعَةِ الْإِيمَاءِ إِلَى عَدَمِ تَأَهُّلِهِمْ لِخِطَابِ اللَّهِ عَلَى تَقْدِيرِ حَالَةِ تَوَلِّيهِمْ.

وَالتَّوَلِّي: الْإِعْرَاضُ وَالْإِدْبَارُ: وَهُوَ مُسْتَعَارٌ هُنَا لِلْمُكَابَرَةِ وَالْعِنَادِ.

وَالْحَسْبُ: الْكَافِي، أَيْ كَافِيكَ شَرَّ إِعْرَاضِهِمْ لِأَنَّهُمْ إِنْ أَعْرَضُوا بَعْدَ هَذَا فَقَدَ أَعْرَضُوا عَنْ حَسَدٍ وَحَنَقٍ.

وَتِلْكَ حَالَةُ مَظِنَّةِ السَّعْيِ فِي الْكَيْدِ وَالْأَذَى.

وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِأَنْ يَقُولَ: (حَسْبِيَ اللَّهُ) أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قَوْلًا نَاشِئًا عَنْ عَقْدِ الْقَلْبِ عَلَيْهِ، أَيْ فَاعْلَمْ أَنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ وَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ، لِأَنَّ الْقَوْلَ يُؤَكِّدُ الْمَعْلُومَ وَيُرَسِّخُهُ فِي نَفْسِ الْعَالِمِ بِهِ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا الْقَوْلِ إِبْلَاغًا لِلْمُعْرِضِينَ عَنْهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَافِيهِ إِيَّاهُمْ.

وَجُمْلَةُ: (لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ) مُسْتَأْنَفَةٌ لِلثَّنَاءِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَهِيَ ثَنَاءٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.

وَعُطِفَتْ عَلَيْهَا جُمْلَةُ: (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) لِلثَّنَاءِ بِعَظِيمِ الْقُدْرَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ رَبًّا لِلْعَرْشِ الْعَظِيمِ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدِيرٌ، لِأَنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ الْعَرْشَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالْعَظِيمِ، فَالْعَظِيمُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، فَهُوَ مَجْرُورٌ.

وَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ إِشْعَارٌ بِالْإِيدَاعِ وَالْإِعْذَارِ لِلنَّاسِ، وَتَنْبِيهٌ إِلَى الْمُبَادَرَةِ بِاغْتِنَامِ وُجُودِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لِيَتَشَرَّفُوا بِالْإِيمَانِ بِهِ وَهُمْ يُشَاهِدُونَهُ وَيَقْتَبِسُونَ مِنْ أَنْوَارِ هَدْيِهِ، لِأَنَّ الِاهْتِدَاءَ بِمُشَاهَدَتِهِ وَالتَّلَقِّيَ مِنْهُ أَرْجَى لِحُصُولِ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَالِانْتِفَاعِ بِقَلِيلٍ مِنَ الزَّمَانِ لِتَحْصِيلِ وَافِرِ الْخَيْرِ الَّذِي لَا يُحْصَلُ مِثْلُهُ فِي أَضْعَافِ ذَلِكَ الزَّمَانِ.

وَفِيهِمَا أَيْضًا إِيمَاءٌ إِلَى اقْتِرَابِ أَجْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ التَّذْكِيرَ بِقَوْلِهِ: (لَقَدْ جاءَكُمْ) يُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا الْمَجِيءَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَضِيَ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَارِدٍ قُفُولًا، وَلِكُلِّ طَالِعٍ أُفُولًا.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ هُمَا أَحْدَثُ الْقُرْآنِ عَهْدًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَقِيلَ: إِنَّ آخِرَ الْقُرْآنِ نُزُولًا آيَةُ الْكَلَالَةِ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ.

وَقِيلَ آخِرُهُ نُزُولًا قَوْلُهُ: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) مِنْ (سُورَةِ الْبَقَرَةِ) [281] .

فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي حَدِيثِ جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ زَيْدٌ: «حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) إِلَى آخِرِهِمَا.

وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ بَحَثَ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي مَا هُوَ مَكْتُوبٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَجِدْهُمَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي آخِرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ خَاتِمَتَيْنِ أَوْ هُوَ يَحْفَظُهُمَا (فَإِنَّ زَيْدًا اعْتَنَى فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ بِحِفْظِهِ وَبِتَتَبُّعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِإِمْلَاءِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِقِرَاءَةِ حُفَّاظِ الْقُرْآنِ غَيْرَهُ) فَوَجَدَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبَا خُزَيْمَةَ يَحْفَظُهُمَا.

فَلَمَّا أَمْلَاهُمَا خُزَيْمَةُ أَوْ أَبُو خُزَيْمَةَ عَلَيْهِ تَذَكَّرَ زَيْدٌ لَفْظَهُمَا وَتَذَكَّرَهُمَا مَنْ سَمِعَهُمَا مِنَ الصَّحَابَة حِين قرأوهما، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُمَا آخِرُ مَا أُنْزِلَ، فَلَفْظُهُمَا ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَتَوَاتُرُهُمَا حَاصِلٌ إِذْ لَمْ يَشُكُّ فِيهِمَا أَحَدٌ وَلَيْسَ إِثْبَاتُهُمَا قَاصِرًا عَلَى إِخْبَارِ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت