(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ(198)
(وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)
الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي أَنَّ الذِّكْرَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُنَا غَيْرُ الذِّكْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) فَيَكُونُ هَذَا أَمْرًا بِالذِّكْرِ عَلَى الْعُمُومِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِذِكْرٍ خَاصٍّ فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّذْيِيلِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ الْخَاصِّ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ قَوْلَهُ: (كَما هَداكُمْ) فَمَوْقِعُهَا مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ.
وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَلَّا تُعْطَفَ بَلْ تُفْصَلُ وَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فَعُطِفَتْ بِالْوَاوِ بِاعْتِبَارِ مُغَايَرَتِهَا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِمَا فِيهَا مِنْ تَعْلِيلِ الذِّكْرِ وَبَيَانِ سَبَبِهِ وَهِيَ مُغَايَرَةٌ ضَعِيفَةٌ لَكِنَّهَا تُصَحِّحُ الْعَطْفَ.
وَقَوْلُهُ: (كَما هَداكُمْ) تَشْبِيهٌ لِلذِّكْرِ بِالْهُدَى وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ.
وَمَعْنَى التَّشْبِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمُشَابِهَةُ فِي التَّسَاوِي أَيِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا مُسَاوِيًا لِهِدَايَتِهِ إِيَّاكُمْ فَيُفِيدُ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ وَالْمُكَافَأَةِ فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ إِنَّ الْكَافَ فِي مِثْلِهِ لِلتَّعْلِيلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَافِ الْمُجَازَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا) [الْبَقَرَة: 167] وَكَثُرَ ذَلِكَ فِي الْكَافِ الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِهَا (مَا) كَيْفَ كَانَتْ، وَقِيلَ ذَلِك خَاص بِمَا الْكَافَّةِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَارِدٌ فِي الْكَاف المقترنة بِمَا وَفِي غَيْرِهَا.