(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18)
وَالْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ شُبِّهُوا فِي انْعِدَامِ آثَارِ الْإِحْسَاسِ مِنْهُمْ بِالصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ وَذَلِكَ شَأْنُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ بَعْدَ مُبْتَدَأٍ هُوَ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى جَمْعٍ، فَالْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْأَصَمِّ الْأَبْكَمِ الْأَعْمَى وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى التَّوْزِيعِ فَلَا يُفْهَمُ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَالْأَصَمِّ وَبَعْضَهُمْ كَالْأَبْكَمِ وَبَعْضَهُمْ كَالْأَعْمَى، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَهْلِ الْبَيَانِ.
وَالصُّمُّ وَالْبُكْمُ وَالْعُمْيُ جَمْعُ أَصَمَّ وَأَعْمَى وَأَبْكَمَ وَهُمْ مَنِ اتَّصَفَ بِالصَّمَمِ وَالْبَكَمِ وَالْعَمَى، فَالصَّمَمُ انْعِدَامُ إِحْسَاسِ السَّمْعِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا، وَالْبَكَمُ انْعِدَامُ النُّطْقِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ النُّطْقُ، وَالْعَمَى انْعِدَامُ الْبَصَرِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ الْإِبْصَارُ.
وَقَوْلُهُ: (فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) لِأَنَّ مَنِ اعْتَرَاهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ انْعَدَمَ مِنْهُ الْفَهْمُ وَالْإِفْهَامُ وَتَعَذَّرَ طَمَعُ رُجُوعِهِ إِلَى رُشْدٍ أَوْ صَوَابٍ.
وَالرُّجُوعُ الِانْصِرَافُ مِنْ مَكَانِ حُلُولٍ ثَانٍ إِلَى مَكَانِ حُلُولٍ أَوَّلٍ وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْإِقْلَاعِ عَنِ الْكُفْرِ.