فهرس الكتاب

الصفحة 2562 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 57]

(قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ(57)

وَإِعَادَةُ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِتَكْرِيرِ الِاهْتِمَامِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) [الْأَنْعَام: 40] .

وَالْبَيِّنَةُ فِي الْأَصْلِ وَصْفٌ مُؤَنَّثُ بَيِّنٍ، أَيِ الْوَاضِحَةُ، فَهِيَ صِفَةٌ جَرَتْ عَلَى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ فِي الْكَلَامِ، أَيْ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَوْ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ.

ثُمَّ شَاعَ إِطْلَاقُ هَذَا الْوَصْفِ فَصَارَ اسْمًا لِلْحُجَّةِ الْمُثْبِتَةِ لِلْحَقِّ الَّتِي لَا يَعْتَرِيهَا شَكٌّ، وَلِلدَّلَالَةِ الْوَاضِحَةِ، وَلِلْمُعْجِزَةِ أَيْضًا، فَهِيَ هُنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ الْبَيِّنَةِ، أَيِ الْيَقِينِ.

وَهُوَ أَنْسَبُ بِـ (عَلى) الدَّالَّةِ عَلَى التَّمَكُّنِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ عَلَى بَصِيرَةٍ، أَيْ أَنِّي مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْيَقِينِ فِي أَمْرِ الْوَحْيِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبَيِّنَةِ الْقُرْآنَ، وَتَكُونَ (عَلَى) مُسْتَعْمَلَةً فِي الْمُلَازَمَةِ مَجَازًا مُرْسَلًا لِأَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ يَسْتَلْزِمُ الْمُلَازَمَةَ، أَيْ أَنِّي لَا أُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ.

وَالْبَاءُ الَّتِي عُدِّيَ بِهَا فِعْلُ (كَذَّبْتُمْ) هِيَ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ مَعْنَى الْفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) [الْمَائِدَة: 6] .

فَلِذَلِكَ يَدُلُّ فِعْلُ التَّكْذِيبِ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ، أَيِ التَّكْذِيبِ الْقَوِيِّ.

وَلَعَلَّ الِاسْتِعْمَالَ أَنَّهُمْ لَا يُعَدُّونَ فِعْلَ التَّكْذِيبِ بِالْبَاءِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ تَكْذِيبُ حُجَّةٍ أَوْ بُرْهَانٍ مِمَّا يُحْسَبُ سَبَبَ تَصْدِيقٍ، فَلَا يُقَالُ: كَذَّبْتُ بِفُلَانٍ، بَلْ يُقَالُ: كَذَّبْتُ فُلَانًا قَالَ تَعَالَى: (لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) [الْفرْقَان: 37] وَقَالَ: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) [الْقَمَر: 23] .

وَمَعْنَى (مَا عِنْدِي) أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَقْدِرَتِي، كَمَا يُقَالُ: مَا بِيَدِي كَذَا.

فَالْعِنْدِيَّةُ مَجَازٌ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالْعِلْمِ وَالْمَقْدِرَةِ.

وَالْمَعْنَى: أَنِّي لَسْتُ الْعَلِيمَ الْقَدِيرَ، أَيْ لَسْتُ إِلَهًا وَلَكِنَّنِي عَبْدٌ مُرْسَلٌ أَقِفُ عِنْدَ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ.

وَحَقِيقَةُ (عِنْدَ) أَنَّهَا ظَرْفُ الْمَكَانِ الْقَرِيبِ.

وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي اسْتِقْرَارِ الشَّيْءِ لِشَيْءٍ وَمِلْكِهِ إِيَّاهُ، كَقَوْلِهِ: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ) [الْأَنْعَام: 59] .

وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي الِاحْتِفَاظِ بِالشَّيْءِ، كَقَوْلِهِ: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [الزخرف: 85] (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) [إِبْرَاهِيم: 46] وَلَا يَحْسُنُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.

وَالْمُرَادُ بِـ (مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) الْعَذَابُ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ.

عُبِّرَ بِطَرِيقِ الموصولية لما تنبئ بِهِ الصِّلَةُ مِنْ كَوْنِهِ مُؤَخَّرًا مُدَّخَرًا لَهُمْ وَأَنَّهُمْ يَسْتَعْجِلُونَهُ وَأَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّ التَّعْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ حَالَانِ لِلْأَمْرِ الْوَاقِعِ فَكَانَ قَوْلُهُ: (تَسْتَعْجِلُونَ) فِي نَفْسِهِ وَعِيدًا.

وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُقَدِّرُ وَقْتَهُ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ فِيهِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمُسْنَدِ الظَّرْفِ أَفَادَ قَصْرَ الْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا مِنْ تَوَعُّدِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ أَنَّهُ تَوَعَّدَهُمْ بِعِقَابٍ فِي مَقْدِرَتِهِ.

فَجَعَلُوا تَأَخُّرَهُ إِخْلَافًا لِتَوَعُّدِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْوَعِيدَ بِيَدِ اللَّهِ، كَمَا سَيُصَرَّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) .

فَقَوْلُهُ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الْقَصْرِ، وَتَأْكِيدٌ لَهُ.

وَجُمْلَةُ: (وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) أَيْ يَقُصُّ وَيُخْبِرُ بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ يَقْضِي بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ يَفْصِلُ الْقَضَاءَ.

وَالْفَصْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ.

قَالَ عُمَرُ فِي كِتَابِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى «فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ» .

وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصَّوَابِ وَالْخَطَأِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) [ص: 20] وَقَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ) [الطارق: 13] .

فَمَعْنَى خَيْرُ الْفاصِلِينَ يَشْمَلُ الْقَوْلَ الْحَقَّ وَالْقَضَاء الْعدْل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت