(وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ(149)
كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فِي تَرْتِيبِ حِكَايَةِ الْحَوَادِثِ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَوْلُهُ: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) الْآيَة، عَن قَوْله: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا) [الْأَعْرَاف: 150] لِأَنَّهُمْ مَا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَجَعَ مُوسَى وَرَأَوْا فَرْطَ غَضَبِهِ وَسَمِعُوا تَوْبِيخَهُ أَخَاهُ وَإِيَّاهُمْ، وَإِنَّمَا خُولِفَ مُقْتَضَى التَّرْتِيبِ تَعْجِيلًا بِذِكْرِ مَا كَانَ لِاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ مِنْ عَاقِبَة الندامة وَتبين الضَّلَالَةِ، مَوْعِظَةٌ لِلسَّامِعِينَ لِكَيْلَا يَعْجَلُوا فِي التَّحَوُّلِ عَنْ سُنَّتِهِمْ، حَتَّى يَتَبَيَّنُوا عَوَاقِبَ مَا هُمْ مُتَحَوِّلُونَ إِلَيْهِ.
و (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، كَلِمَةٌ أَجْرَاهَا الْقُرْآنُ مجْرى الْمثل إِذا أُنْظِمَتْ عَلَى إِيجَازٍ بَدِيعٍ وَكِنَايَةٍ وَاسْتِعَارَةٍ، فَإِنَّ الْيَدَ تُسْتَعَارُ لِلْقُوَّةِ وَالنُّصْرَةِ إِذْ بِهَا يُضْرَبُ بِالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ، وَلِذَلِكَ حِينَ يَدْعُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالسُّوءِ يَقُولُونَ: «شُلَّتْ مِنْ يَدَيَّ الْأَنَامِلُ» ، وَهِيَ آلَةُ الْقُدْرَةِ قَالَ تَعَالَى: (ذَا الْأَيْدِ) [ص: 17] ، وَيُقَالُ: مَا لِي بِذَلِكَ يَدٌ، أَوْ مَا لِي بِذَلِكَ يَدَانِ أَيْ لَا أَسْتَطِيعُهُ، وَالْمَرْءُ إِذَا حَصَلَ لَهُ شَلَلٌ فِي عَضُدٍ وَلَمْ يَسْتَطِعْ تَحْرِيكَهُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: سُقِطَ فِي يَدِهِ سَاقِطٌ، أَيْ نَزَلَ بِهِ نَازِلٌ.
وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ فَاعِلِ السُّقُوطِ الْمَجْهُولِ لَا يَزِيدُ عَلَى كَوْنِهِ مُشْتَقًّا مِنْ فِعْلِهِ، سَاغَ أَنْ يُبْنَى فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ فَمَعْنَى «سُقِطَ فِي يَدِهِ» سَقَطَ فِي يَدِهِ سَاقِطٌ فَأَبْطَلَ حَرَكَةَ يَدِهِ، إِذِ الْمَقْصُودُ أَنَّ حَرَكَةَ يَدِهِ تَعَطَّلَتْ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، إِلَّا بِأَنَّهُ شَيْءٌ دَخَلَ فِي يَدِهِ فَصَيَّرَهَا عَاجِزَةً عَنِ الْعَمَلِ وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ كَونه قد فجأه مَا أَوْجَبَ حَيْرَتَهُ فِي أَمْرِهِ، كَمَا يُقَالُ: فَتَّ فِي سَاعِدِهِ.
وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي الْآيَةِ فِي مَعْنَى النَّدَمِ وَتَبَيُّنِ الْخَطَأِ لَهُمْ، فَهُوَ تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ بِحَالِ مَنْ سُقِطَ فِي يَدِهِ حِينَ الْعَمَلِ.
فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ تبين لَهُم خطأهم وَسُوءُ مُعَامَلَتِهِمْ رَبَّهُمْ وَنَبِيَّهُمْ، فَالنَّدَامَةُ هِيَ مَعْنَى التَّرْكِيبِ كُلِّهِ، وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَهِيَ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ الْمُرَكَّبِ وَهُوَ سُقِطَ فِي الْيَدِ.
وَقَوْلُهُمْ: (لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) تَوْبَةٌ وَإِنَابَةٌ، وَقَدْ علمُوا أَنهم أخطأوا خَطِيئَةً عَظِيمَةً، وَلِذَلِكَ أَكَّدُوا التَّعْلِيقَ الشَّرْطِيَّ بِالْقَسَمِ الَّذِي وَطَّأَتْهُ اللَّامُ.
وَقَدَّمُوا الرَّحْمَةَ عَلَى الْمَغْفِرَةِ لِأَنَّهَا سَبَبُهَا.
وَمَجِيءُ خَبَرِ كَانَ مُقْتَرِنًا بِحَرْفِ (مِنْ) التَّبْعِيضِيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْوَى فِي إِثْبَاتِ الْخَسَارَةِ مِنْ لَنَكُونَنَّ خَاسِرِينَ.