(مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)
رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَا مُخْتَصَرُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ وَفِيهِمْ صَنَادِيدُ الْمُشْرِكِينَ سَأَلَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفَادِيَهُمْ بِالْمَالِ وَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يَعُودُوا إِلَى حَرْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْلِمِينَ «مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى» ، قَالَ أَبُو بكر: «يَا نَبِي اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ» وَقَالَ عُمَرُ: أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنَا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (مَا كَانَ لِنَبِيءٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى) الْآيَةَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: هَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَحَبَّ وَاخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْيُسْرِ وَالرَّحْمَةِ بِالْمُسْلِمِينَ إِذْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ إِلَى الْمَالِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا.
وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ رَغْبَةَ أَكْثَرِهِمْ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْمَالِ.
وَلَمَّا اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ مَشُورَتِهِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُوحِ اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَوْكَلَ ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَرَأَى أَنْ يَسْتَشِيرَ النَّاسَ ثُمَّ رَجَّحَ أَحَدَ الرَّأْيَيْنِ بِاجْتِهَادٍ، وَقَدْ أَصَابَ الِاجْتِهَادَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، حِينَئِذٍ، سُهَيْلُ بن بَيْضَاءَ، وَأَسْلَمَ مِنْ بَعْدُ الْعَبَّاسُ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ خَفِيَ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمْهُ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ إِضْمَارُ بَعْضِهِمْ - بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِهِمْ - أَنْ يَتَأَهَّبُوا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدُ.
وَرُبَّمَا كَانُوا يُضْمِرُونَ اللَّحَاقَ بِفَلِّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ وَيَعُودُونَ إِلَى الْقِتَالِ فَيَنْقَلِبُ انْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ هَزِيمَةً كَمَا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلِأَجْلِ هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِنَبِيءٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) .
وَالْكَلَامُ مُوَجَّهٌ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَشَارُوا بِالْفِدَاءِ، وَلَيْسَ مُوَجَّهًا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مَا فَعَلَ إِلَّا مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مُشَاوَرَةِ أَصْحَابِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمرَان: 159] لَا سِيمَا عَلَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ بَلَّغَ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخَيِّرَ أَصْحَابَهُ
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا) فَإِنَّ الَّذِينَ أَرَادُوا عَرَضَ الدُّنْيَا هُمُ الَّذِينَ أَشَارُوا بِالْفِدَاءِ، وَلَيْسَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ حَظٌّ.
فَمَعْنَى (مَا كَانَ لِنَبِيءٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) نَفْيُ اتِّخَاذِ الْأَسْرَى عَن اسْتِحْقَاق نَبِي لِذَلِكَ الْكَوْنِ.
وَجِيءَ بِـ (نَبِيءٍ) نَكِرَةً إِشَارَةً إِلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ سَابِقٌ فِي حُرُوبِ الْأَنْبِيَاءِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ فِي الْإِصْحَاحِ عِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ.
وَمِثْلُ هَذَا النَّفْيِ فِي الْقُرْآنِ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى النَّهْيِ نَحْوَ (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) [الْأَحْزَاب: 53] .
وَقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ، كَمَا هُنَا، لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جَاءَ تَمْهِيدًا لِلْعِتَابِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْهُ مَا لَا يَصْلُحُ مِنْ حَيْثُ الرَّأْيِ وَالسِّيَاسَةِ.
وَمَعْنَى هَذَا الْكَوْنِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ: (مَا كَانَ لِنَبِيءٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) هُوَ بَقَاؤُهُمْ فِي الْأَسْرِ، أَيْ بَقَاؤُهُمْ أَرِقَّاءَ أَوْ بَقَاءُ أَعْوَاضِهِمْ وَهُوَ الْفِدَاءُ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ النَّبِيءِ أَسْرَى، لِأَنَّ أَخْذَ الأسرى من شئون الْحَرْبِ، وَهُوَ من شئون الْغَلَبِ، إِذَا اسْتَسْلَمَ الْمُقَاتِلُونَ، فَلَا يَعْقِلُ أَحَدٌ نَفْيَهُ عَنِ النَّبِيءِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفِيُ أَثَرِهِ، وَإِذَا نُفِيَ أَثَرُ الْأَسْرِ صَدَقَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: وَهُمَا الْمَنُّ عَلَيْهِمْ بِإِطْلَاقِهِمْ، أَوْ قَتْلُهُمْ، وَلَا يَصْلُحُ الْمَنُّ هُنَا، لِأَنَّهُ يُنَافِي الْغَايَةَ وَهِيَ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ قَتْلُ الْأَسْرَى الْحَاصِلِينَ فِي يَدِهِ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ الْأَجْدَرُ بِهِ حِينَ ضَعْفِ الْمُؤْمِنِينَ، خَضْدًا لِشَوْكَةِ أَهْلِ الْعِنَادِ، وَقَدْ صَارَ حُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ تَشْرِيعًا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ يَأْسِرُهُمْ فِي غَزَوَاتِهِ.
وَالْإِثْخَانُ: الشِّدَّةُ وَالْغِلْظَةُ فِي الْأَذَى.
يُقَالُ أَثْخَنَتْهُ الْجِرَاحَةُ وَأَثْخَنَهُ الْمَرَضُ إِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى شِدَّةِ الْجِرَاحَةِ عَلَى الْجَرِيحِ.
وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ.
فَالْمَعْنَى: حَتَّى يَتَمَكَّنَ فِي الْأَرْضِ، أَيْ يَتَمَكَّنَ سُلْطَانُهُ وَأَمْرُهُ.
وَالْكَلَامُ عِتَابٌ لِلَّذِينَ أَشَارُوا بِاخْتِيَارِ الْفِدَاءِ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِ، وَغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْأَخْذِ بِالْحَزْمِ فِي قَطْعِ دَابِرِ صَنَادِيدِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ فِي هَلَاكِهِمْ خَضْدًا لِشَوْكَةِ قَوْمِهِمْ فَهَذَا تَرْجِيحٌ لِلْمُقْتَضَى السِّيَاسِيِّ الْعَرَضِيِّ عَلَى الْمُقْتَضَى الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَهُوَ التَّيْسِيرُ والرفق فِي شئون الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) [الْفَتْح: 29] .
وَقَدْ كَانَ هَذَا الْمَسْلَكُ السِّيَاسِيُّ خَفِيًّا حَتَّى كَأَنَّهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ: أَنَّهُمْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ سَبَقُوا إِلَى الْغَنَائِمِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ لَهُمْ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَشَارَهُمْ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (أَنْ يَكُونَ لَهُ) - بِتَحْتِيَّةٍ - عَلَى أُسْلُوبِ التَّذْكِيرِ.
وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَيَعْقُوبُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ - بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ - عَلَى صِيغَةِ التَّأْنِيثِ، لِأَنَّ ضَمِيرَ جَمْعِ التَّكْسِيرِ يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ بِتَأْوِيلِ الْجَمَاعَةِ.
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: (تُرِيدُونَ) لِلْفَرِيقِ الَّذِينَ أَشَارُوا بِأَخْذِ الْفِدَاءِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غَيْرُ مُعَاتَبٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ بِرَأْيِ الْجُمْهُورِ وَجُمْلَةُ: (تُرِيدُونَ) إِلَى آخِرِهَا وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْعِلَّةِ لِلنَّهْيِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ مَا كَانَ لِنَبِيءٍ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْجُمْلَةِ الْمُبَيِّنَةِ.
وَ (عَرَضَ الدُّنْيا) هُوَ الْمَالُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَرَضًا لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ قَلِيلُ اللُّبْثِ، فَأَشْبَهَ الشَّيْءَ الْعَارِضَ إِذِ الْعُرُوضُ مُرُورُ الشَّيْءِ وَعَدَمُ مُكْثِهِ لِأَنَّهُ يَعْرِضُ لِلْمَاشِينَ بِدُونِ تَهَيُّؤٍ.
وَالْمُرَادُ عَرَضُ الدُّنْيَا الْمَحْضُ وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ لِمُجَرَّدِ التَّمَتُّعِ بِهِ.
وَالْإِرَادَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ، أَيْ: تُحِبُّونَ مَنَافِعَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُحِبُّ ثَوَابَ الْآخِرَةِ، وَمَعْنَى مَحَبَّةِ اللَّهِ إِيَّاهَا مَحَبَّتُهُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ.
وَإِنَّمَا ذُكِرَ مَعَ الدُّنْيا الْمُضَافُ وَلَمْ يُحْذَفْ: لِأَنَّ فِي ذِكْرِهِ إِشْعَارًا بِعُرُوضِهِ وَسُرْعَةِ زَوَالِهِ.
وَإِنَّمَا أَحَبَّ اللَّهُ نَفْعَ الْآخِرَةِ: لِأَنَّهُ نَفْعٌ خَالِدٌ، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ الْأَعْمَالِ النَّافِعَةِ لِلدِّينِ الْحَقِّ، وَصَلَاحُ الْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ.
وَقَدْ نَصَبَ اللَّهُ عَلَى نَفْعِ الْآخِرَةِ أَمَارَاتٍ، هِيَ أَمَارَاتُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَكُلُّ عَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا لَيْسَ فِيهِ حَظٌّ مِنْ نَفْعِ الْآخِرَةِ، فَهُوَ غَيْرُ مَحْبُوبٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا فِيهِ نَفْعٌ مِنَ الْآخِرَةِ فَفِيهِ مَحَبَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْفِدَاءُ الَّذِي أَحَبُّوهُ لَمْ يَكُنْ يَحُفُّ بِهِ مِنَ الْأَمَارَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّهُ.
وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا) مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، وَالْمَعْنَى: لَعَلَّكُمْ تُحِبُّونَ عَرَضَ الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ لَكُمُ الثَّوَابَ وَقُوَّةَ الدِّينِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ هُوَ النَّفْعَ الدُّنْيَوِيَّ لَكَانَ حِفْظُ أَنْفُسِ النَّاسِ مُقَدَّمًا عَلَى إسعافهم بِالْمَالِ، فَلَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ بَذْلُ نُفُوسِهِمْ فِي الْجِهَادِ.
فَالْمَعْنَى: يُوشِكُ أَنْ تَكُونَ حَالُكُمْ كَحَالِ مَنْ لَا يُحِبُّ إِلَّا عَرَضَ الدُّنْيَا، تَحْذِيرًا لَهُمْ مِنَ التَّوَغُّلِ فِي إِيثَارِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ.
(وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
وَصْفُ الْعَزِيزِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْنَاء على الِاحْتِيَاجِ، وَعَلَى الرِّفْعَةِ وَالْمَقْدِرَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِهِ إِلَّا مَحَبَّةُ الْأُمُورِ النَّفِيسَةِ، وَهَذَا يُومِئُ إِلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَعِزَّاءَ كَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المُنَافِقُونَ: 8] فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ اللَّائِقُ بِهِمْ أَنْ يَرْبَأُوا بِنُفُوسِهِمْ عَنِ التَّعَلُّقِ بِسَفَاسِفِ الْأُمُورِ وَأَنْ يَجْنَحُوا إِلَى مَعَالِيهَا.
وَوَصْفُ الْحَكِيمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْعَالِمُ بِالْمَنَافِعِ الْحَقِّ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الْعِلْمُ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ.