فهرس الكتاب

الصفحة 3690 من 4110

[سُورَة التَّوْبَة(9): آيَة 12]

(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ(12)

وَعَبَّرَ عَنْ نَقْضِ الْعَهْدِ بِنَكْثِ الْأَيْمَانِ تَشْنِيعًا لِلنَّكْثِ، لِأَنَّ الْعَهْدَ كَانَ يُقَارِنُهُ الْيَمِينُ عَلَى الْوَفَاءِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْعَهْدُ حِلْفًا.

وَزِيدَ قَوْلُهُ: (مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) زِيَادَةً فِي تَسْجِيلِ شَنَاعَةِ نَكْثِهِمْ: بِتَذْكِيرِ أَنَّهُ غَدْرٌ لِعَهْدٍ، وَحَنْثٌ بِالْيَمِينِ.

وَالطَّعْنُ حَقِيقَتُهُ خَرْقُ الْجِسْمِ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ كَالرُّمْحِ، وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا بِمَعْنَى الثَّلْبِ.

وَالنِّسْبَةُ إِلَى النَّقْصِ، بِتَشْبِيهِ عِرْضِ الْمَرْءِ، الَّذِي كَانَ مُلْتَئِمًا غَيْرَ مَنْقُوصٍ، بِالْجَسَدِ السَّلِيمِ.

فَإِذَا أُظْهِرَتْ نَقَائِصُهُ بِالثَّلْبِ وَالشَّتْمِ شُبِّهَ بِالْجِلْدِ الَّذِي أُفْسِدَ الْتِحَامُهُ.

وأَئِمَّةَ جَمْعُ إِمَامٍ، وَالْإِمَامُ الْمِثَالُ الَّذِي يُصْنَعُ عَلَى شَكْلِهِ، أَوْ قَدْرِهِ، مَصْنُوعٌ، فَأَئِمَّةُ الْكُفْرِ، هُنَا: الَّذِينَ بَلَغُوا الْغَايَةَ فِيهِ، بِحَيْثُ صَارُوا قُدْوَةً لِأَهْلِ الْكُفْرِ.

وَالْمُرَادُ بِأَئِمَّةِ الْكُفْرِ: الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ، فَوُضِعَ هَذَا الِاسْمُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ حِينَ لَمْ يُقَلْ: فَقَاتِلُوهُمْ، لِزِيَادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِبُلُوغِهِمْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ مِنَ الْكُفْرِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَضْمَرُوا النَّكْثَ يَبْقُونَ مُتَرَدِّدِينَ بِإِظْهَارِهِ،

فَإِذَا ابْتَدَأَ بَعْضُهُمْ بِإِظْهَارِ النَّقْضِ اقْتَدَى بِهِمُ الْبَاقُونَ، فَكَانَ النَّاقِضُونَ أَئِمَّةً لِلْبَاقِينَ.

وَجُمْلَةُ: (إِنَّهُمْ لَا أَيْمانَ لَهُمْ) تَعْلِيلٌ لِقِتَالِهِمْ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ لِأَجْلِ اسْتِخْفَافِهِمْ بِالْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفُوهَا عَلَى السَّلْمِ، فَغَدَرُوا، وَفِيهِ بَيَانٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَيْلَا يَشْرَعُوا فِي قِتَالِهِمْ غَيْرَ مُطَّلِعِينَ عَلَى حِكْمَةِ الْأَمْرِ بِهِ، فَيَكُونُ قِتَالُهُمْ لِمُجَرَّدِ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الْغَيْظِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا يُشَحِّذُ شِدَّتَهُمْ عَلَيْهِمْ.

وَنَفْيُ الْأَيْمَانِ لَهُمْ: نَفْيٌ لِلْمَاهِيَّةِ الْحَقِّ لِلْيَمِينِ، وَهِيَ قَصْدُ تَعْظِيمِهِ وَالْوَفَاءِ بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُوفُوا بِأَيْمَانِهِمْ، نَزَلَتْ أَيْمَانُهُمْ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ لفقدان أخصّ خواصّها وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا اقْتَضَتْهُ.

وَعَطْفُ (وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ) عَطْفُ قَسِيمٍ عَلَى قَسِيمِهِ، فَالْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى (أَوْ) .

فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ أَحَدُ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ: الَّذَيْنِ هُمَا نَكْثُ الْأَيْمَانِ، وَالطَّعْنُ فِي الدِّينِ، كَانَ حُصُولُ أَحَدِهِمَا مُوجِبًا لِقِتَالِهِمْ، أَيْ دُونَ مُصَالَحَةٍ، وَلَا عَهْدٍ، وَلَا هُدْنَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَذِكْرُ طَعْنِهِمْ فِي دين الْمُسلمين ينبئ بَأَنَّ ذَلِكَ الطَّعْنَ كَانَ مِنْ دَأْبِهِمْ فِي مُدَّةِ الْمُعَاهَدَةِ، فَأُرِيدَ صَدُّهُمْ عَنِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ.

وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عُقُودِ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُعَاهَدَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَطْعَنُوا فِي الْإِسْلَامِ، فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَانَ هَذَا شَرْطًا عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَصْبَحُوا فِي قُوَّةٍ.

وَقَوله: (فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) أَمْرٌ لِلْوُجُوبِ.

وَجُمْلَةُ (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) يَجُوزُ أَنْ تكون تعليلا للجملة (فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) أَيْ قِتَالَهُمْ لِرَجَاءِ أَنْ يَنْتَهُوا، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْقِتَالَ يُفْنِي كَثِيرًا مِنْهُمْ، فَالِانْتِهَاءُ الْمَرْجُوُّ انْتِهَاءُ الْبَاقِينَ أَحْيَاءً بَعْدَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.

فَالْمُرَادَ: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ عَنِ الْكُفْرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت