فهرس الكتاب

الصفحة 3018 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): آيَة 24]

(قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ(24)

طَوَى الْقُرْآنُ هُنَا ذِكْرَ التَّوْبَةِ عَلَى آدَمَ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِصَّةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ التَّذْكِيرُ بِعَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ وَتَحْذِيرُ النَّاسِ مِنَ اتِّبَاعِ وَسْوَسَتِهِ، وَإِظْهَارُ مَا يُعْقِبُهُ اتِّبَاعُهُ مِنَ الْخُسْرَانِ وَالْفَسَادِ، وَمَقَامُ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ يَقْتَضِي الْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ التَّوْبَةِ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى أَسْبَابِ الْخَسَارَةِ، وَقَدْ ذُكِرَتِ التَّوْبَةُ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا بَيَانُ فَضْلِ آدَمَ وَكَرَامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.

وَالْخِطَابُ لِآدَمَ وَزَوْجِهِ وَإِبْلِيسَ.

وَالْأَمْرُ تَكْوِينِيٌّ، وَبِهِ صَارَ آدَمُ وَزَوْجُهُ وَإِبْلِيسُ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ.

(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)

وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الْبَعْضُ الْمُخَالِفُ فِي الْجِنْسِ، فَأَحَدُ الْبَعْضَيْنِ هُوَ آدَمُ وَزَوْجُهُ، وَالْبَعْضُ الْآخَرُ هُوَ إِبْلِيسُ، وَإِذْ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْعَدَاوَةُ تَكْوِينِيَّةً بَيْنَ أَصْلَيِ الْجِنْسَيْنِ، كَانَتْ مَوْرُوثَةً فِي نَسْلَيْهِمَا، وَالْمَقْصُودُ تَذْكِيرُ بَنِي آدَمَ بِعَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ وَلِأَصْلِهِمْ لِيَتَّهِمُوا كُلَّ وَسْوَسَةٍ تَأْتِيهِمْ مِنْ قِبَلِهِ، وَقَدْ نَشَأَتْ هَذِهِ الْعَدَاوَةُ عَنْ حَسَدِ إِبْلِيسَ، ثُمَّ سَرَتْ وَتَشَجَّرَتْ فَصَارَتْ عَدَاوَةً تَامَّةً فِي سَائِرِ نَوَاحِي الْوُجُودِ، فَهِيَ مُنْبَثَّةٌ فِي التَّفْكِيرِ وَالْجَسَدِ، وَمُقْتَضِيَةٌ تَمَامَ التَّنَافُرِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.

وَإِذْ قَدْ كَانَتْ نُفُوسُ الشَّيَاطِينِ دَاعِيَةً إِلَى الشَّرِّ بِالْجِبِلَّةِ تَعَيَّنَ أَنَّ عَقْلَ الْإِنْسَانِ مُنْصَرِفٌ بِجِبِلَّتِهِ إِلَى الْخَيْرِ، وَلَكِنَّهُ مُعْرِضٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ فَيَقَعُ فِي شُذُوذٍ عَنْ أَصْلِ فِطْرَتِهِ، وَفِي هَذَا مَا يَكُونُ مِفْتَاحًا لِمَعْنَى كَوْنِ النَّاسِ يُولَدُونَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَكَوْنِ الْإِسْلَامِ دِينَ الْفِطْرَةِ، وَكَوْنِ الْأَصْلِ فِي النَّاسِ الْخَيْرَ.

أَمَّا كَوْنُ الْأَصْلِ فِي النَّاسِ الْعَدَالَةَ أَوِ الْجَرْحِ فَذَلِكَ مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى خَشْيَةِ الْوُقُوعِ فِي الشُّذُوذِ، مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي الْحَاكِمُ وَلَا الرَّاوِي، لِأَنَّ أَحْوَالَ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ الشُّذُوذِ مُبْهَمَةٌ فَوَجَبَ التَّبَصُّرُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.

(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ)

وَالْمُرَادُ بِهِ الْوُجُودُ أَيْ وُجُودُ نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَبِخَصَائِصِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الدَّفْنَ كَمَا فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ (وَمَتَاعٌ) يَصُدُّ عَنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الشَّيَاطِينَ وَالْجِنَّ لَا يُدْفَنُونَ فِي الْأَرْضِ.

وَالْمَتَاعُ وَالتَّمَتُّعُ: نَيْلُ الْمَلَذَّاتِ وَالْمَرْغُوبَاتِ غَيْرِ الدَّائِمَةِ، وَيُطْلَقُ الْمَتَاعُ عَلَى مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت