(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(29)
وَافْتُتِحَ بِالنِّدَاءِ لِلِاهْتِمَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَخُوطِبَ الْمُؤْمِنُونَ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِعَهْدِ الْإِيمَانِ وَمَا يَقْتَضِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي نَظَائِرِهِ، وَعَقِبَ التَّحْذِيرِ مِنَ الْعِصْيَانِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى سُوءِ عَوَاقِبِهِ، بِالتَّرْغِيبِ فِي التَّقْوَى وَبَيَانِ حُسْنِ عَاقِبَتِهَا وَبِالْوَعْدِ بِدَوَامِ النَّصْرِ وَاسْتِقَامَةِ الْأَحْوَالِ إِنْ هُمْ دَامُوا عَلَى التَّقْوَى.
فَفِعْلُ الشَّرْطِ مُرَادٌ بِهِ الدَّوَامُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَّقِينَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا حُذِّرُوا مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْخِيَانَةِ نَاسَبَ أَنْ تُفْرَضَ لَهُمُ الطَّاعَةُ فِي مُقَابِلِ ذَلِكَ.
وَلَقَدْ بَدَا حُسْنُ الْمُنَاسَبَةِ إِذْ رُتِّبَتْ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ تَحْذِيرَاتٌ مِنْ شُرُورٍ وَأَضْرَارٍ مِنْ قَوْلِهِ: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ) [الْأَنْفَال: 22] - وَقَوْلِهِ - (وَاتَّقُوا فِتْنَةً) [الْأَنْفَال: 25] الْآيَةَ، وَرُتِّبَ عَلَى التَّقْوَى: الْوَعْدُ بِالنَّصْرِ وَمَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وَسَعَةُ الْفَضْلِ.
وَلُقِّبَ الْقُرْآنُ بِالْفُرْقَانِ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، قَالَ تَعَالَى: (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ) [الْفرْقَان: 1] وَلَعَلَّ اخْتِيَارَهُ هُنَا لِقَصْدِ شُمُولِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْمَقَامِ مِنْ مَعَانِيهِ، فَقَدْ فُسِّرَ بِالنَّصْرِ.
وَقَدْ أَشْعَرَ قَوْلُهُ: (لَكُمْ) أَنَّ الْفُرْقَانَ شَيْءٌ نَافِعٌ لَهُمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ كُلُّ مَا فِيهِ مَخْرَجٌ لَهُمْ وَنَجَاةٌ مِنَ الْتِبَاسِ الْأَحْوَالِ وَارْتِبَاكِ الْأُمُورِ وانبهام الْمَقَاصِد، فيؤول إِلَى اسْتِقَامَةِ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ، حَتَّى يَكُونُوا مطمئني البال منشرحي الْخَاطِرِ وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونُوا: مَنْصُورِينَ، غَالِبِينَ، بصراء بالأمور، كلمة الْأَخْلَاقِ سَائِرِينَ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ وَالرُّشْدِ، وَذَلِكَ هُوَ مِلَاكُ اسْتِقَامَةِ الْأُمَمِ، فَاخْتِيَارُ الْفُرْقَانِ هُنَا، لِأَنَّهُ اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُؤَدِّي غَيْرُهُ مُؤَدَّاهُ فِي هَذَا الْغَرَضِ وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْفَصَاحَةِ.
وَالتَّقْوَى تَشْمَلُ التَّوْبَةُ، فَتَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ الْفَارِطَةِ الَّتِي تَعْقُبُهَا التَّقْوَى.
وَمَفْعُولُ (يَغْفِرْ لَكُمْ) مَحْذُوفٌ وَهُوَ مَا يَسْتَحِقُّ الْغُفْرَانَ وَذَلِكَ هُوَ الذَّنْبُ، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَهُوَ الصَّغَائِرُ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِاللَّمَمِ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ بِأَنْ يُرَادَ بِالسَّيِّئَاتِ الصَّغَائِرُ وَبِالْمَغْفِرَةِ مَغْفِرَةُ الْكَبَائِرِ بِالتَّوْبَةِ الْمُعْقِبَةِ لَهَا، وَقِيلَ التَّكْفِيرُ السِّتْرُ فِي الدُّنْيَا، وَالْغُفْرَانُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِجْمَالَ مَقْصُودٌ لِلْحَثِّ عَلَى التَّقْوَى وَتَحَقُّقِ فَائِدَتِهَا وَالتَّعْرِيضِ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيطِ فِيهَا، فَلَا يَحْصُلُ التَّكْفِيرُ وَلَا الْمَغْفِرَةُ بِأَيِّ احْتِمَالٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) تَذْيِيلٌ وَتَكْمِيلٌ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حُصُولِ مَنَافِعَ أُخْرَى لَهُمْ مِنْ جراء التَّقْوَى.