(اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)
وَالِاتِّبَاعُ فِي الْأَصْلِ اقْتِفَاءُ أَثَرِ الْمَاشِي، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْعَمَلِ بِمِثْلِ عَمَلِ الْغَيْرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ) [التَّوْبَة: 100] .
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَالْعَمَلِ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ الْمَتْبُوعَ فَهُوَ الِائْتِمَارُ.
وَإِطْلَاقُ الِاتِّبَاعِ بِمَعْنَى الِائْتِمَارِ شَائِعٌ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ جَاءَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَأَمَرَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ، وَاسْتُعْمِلَ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْمُلَازِمَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ، لِأَنَّ مَنْ يَتِّبِعُ أَحَدًا يُلَازِمُهُ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ بِالِاتِّبَاعِ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِ الْقُرْآنِ وَنَوَاهِيهِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ لَهُ بِهَذَا السِّيَاقِ، وَفِي الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ: (رَبِّكَ) دُونَ اسْمِ الْجَلَالَةِ تأنيس للرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَلَطُّفٌ مَعَهُ.
وَجُمْلَةُ: (لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ) مُعْتَرِضَةٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا إِدْمَاجُ التَّذْكِيرِ بالوحدانيّة لزِيَادَة تقرّرها وَإِغَاظَةِ الْمُشْرِكِينَ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الْإِعْرَاضُ عَنْ مُكَابَرَتِهِمْ وَأَذَاهُمْ لَا الْإِعْرَاضُ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمر رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ الدَّعْوَةِ لِأَيِّ صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ، وَكُلُّ آيَةٍ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّمَا هُوَ إِعْرَاضٌ عَنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَذَاهُمْ، أَلَا تَرَى كُلَّ آيَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ قَدْ تَلَتْهَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَدْعُو الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْإِقْلَاعِ عَنِ الشِّرْكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي (سُورَةِ النِّسَاءِ) [63] : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ) وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا)
وَهَذَا تَلَطُّفٌ مَعَ الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِزَالَةٌ لِمَا يَلْقَاهُ مِنَ الْكَدَرِ مِنِ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الشِّرْكِ وَقِلَّةِ إِغْنَاءِ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَنُذُرِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَذَكَّرَهُ اللَّهُ بِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحَوِّلَ قُلُوبَهُمْ فَتَقْبَلَ الْإِسْلَامَ بِتَكْوِينٍ آخَرَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَحْصُلَ الْإِيمَانُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِالْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ فِي الْإِرْشَادِ وَالِاهْتِدَاءِ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ وَتَظْهَرَ مَرَاتِبُ النُّفُوسِ فِي مَيَادِينِ التَّلَقِّي، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ تَخْتَلِفَ النُّفُوسُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ اخْتِلَافًا نَاشِئًا عَنِ اخْتِلَافِ كَيْفِيَّاتِ الْخِلْقَةِ وَالْخَلْقِ وَالنَّشْأَةِ وَالْقَبُولِ، وَعَنْ مَرَاتِبِ اتِّصَالِ الْعِبَادِ بِخَالِقِهِمْ وَرَجَائِهِمْ مِنْهُ.
وَمَفْعُولُ الْمَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوَابُ (لَوْ) عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَعْرُوفَةِ.
وَالتَّقْدِيرُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ عَدَمَ إِشْرَاكِهِمْ مَا أَشْرَكُوا.
وَقَوْلُهُ: (وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) تَذْكِيرٌ وَتَسْلِيَةٌ لِيُزِيحَ عَنْهُ كَرْبَ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْكَدَرِ لِإِعْرَاضِ قَوْمِهِ عَنِ الْإِسْلَامِ يَجْعَلُ فِي نَفْسِهِ انْكِسَارًا كَأَنَّهُ انْكِسَارُ مَنْ عُهِدَ إِلَيْهِ بِعَمَلٍ فَلَمْ يَتَسَنَّ لَهُ مَا يُرِيدُهُ مِنْ حُسْنِ الْقِيَامِ، فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْهُ مُكْرِهًا لَهُمْ لِيَأْتِيَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا بَعَثَهُ مُبَلِّغًا لِرِسَالَتِهِ فَمَنْ آمَنَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهَا.
وَالْحَفِيظُ: الْقَيِّمُ الرَّقِيبُ، أَيْ لَمْ نَجْعَلْكَ رَقِيبًا عَلَى تَحْصِيلِ إِيمَانِهِمْ فَلَا يُهِمَّنَّكَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْكَ وَعَدَمُ تَحْصِيلِ مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ إِذْ لَا تَبِعَةَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ، فَالْخَبَرُ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّذْكِيرِ وَالتَّسْلِيَةِ، لَا مَسَاقَ الْإِفَادَةِ لِأَنَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ مَا جَعَلَهُ حَفِيظًا عَلَى تَحْصِيلِ إِسْلَامِهِمْ إِذْ لَا يَجْهَلُ الرَّسُولُ مَا كُلِّفَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) تَهْوِينٌ عَلَى نَفْسِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِطَرِيقَةِ التَّذْكِيرِ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ الْغَمُّ الْحَاصِلُ لَهُ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَفِيظِ وَالْوَكِيلِ هُنَا فِي خَبَرَيْنِ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ آنِفًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) [الْأَنْعَام: 104] مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَكِيلِ والحفيظ فاذكره.