فهرس الكتاب

الصفحة 3122 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): آيَة 55]

(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55)

وَالْخِطَابُ بِـ (ادْعُوا) خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لِأَدَبِ دُعَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ، وَلَيْسَ الْمُشْرِكُونَ بِمُتَهَيِّئِينَ لِمِثْلِ هَذَا الْخِطَابِ، وَهُوَ تَقْرِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِدْنَاءٌ لَهُمْ وَتَنْبِيهٌ عَلَى رِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ وَمَحَبَّتِهِ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ بعده: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الْأَعْرَاف: 56] .

وَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ.

وَ (الدُّعَاءُ) حَقِيقَتُهُ النِّدَاءُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى النِّدَاءِ لِطَلَبٍ مُهِمٍّ، وَاسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الْعِبَادَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ بِالْقَوْلِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ، كَمَا فِي الرُّكُوعِ والسّجود، مَعَ مقارنتها لِلْأَقْوَالِ وَهُوَ إِطْلَاقٌ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ هُنَا الطَّلَبُ وَالتَّوَجُّهُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ عَبَدُوا اللَّهَ وَأَفْرَدُوهُ بِالْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا الْمُهِمُّ إِشْعَارُهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ وَإِدْنَاءِ مَقَامِهِمْ مِنْهَا.

وَجِيءَ لِتَعْرِيفِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الْإِضَافَةِ دُونَ ضَمِيرِ الْغَائِبِ، مَعَ وُجُودِ مُعَادٍ قَرِيبٍ فِي قَوْلِهِ: (تَبارَكَ اللَّهُ) [الْأَعْرَاف: 54] وَدُونَ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، لِأَنَّ فِي لَفْظِ الرَّبِّ إِشْعَارًا بِتَقْرِيبِ الْمُؤْمِنِينَ بِصِلَةِ الْمَرْبُوبِيَّةِ، وَلِيَتَوَسَّلَ بِإِضَافَةِ الرَّبِّ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ إِلَى تَشْرِيفِ الْمُؤْمِنِينَ وَعِنَايَةِ الرَّبِّ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ) [آل عمرَان: 150] .

وَالتَّضَرُّعُ: إِظْهَارُ التَّذَلُّلِ بِهَيْئَةٍ خَاصَّةٍ، وَيُطْلَقُ التَّضَرُّعُ عَلَى الْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ لِأَنَّ الْجَهْرَ مِنْ هَيْئَةِ التَّضَرُّعِ، لِأَنَّهُ تَذَلُّلٌ جَهْرِيٌّ.

وَجُمْلَةُ (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ أَمْرُ تَكْرِيمٍ للْمُسلمين يتضمّن رضى اللَّهِ عَنْهُمْ، وَلَكِنْ سَلَكَ فِي التَّعْلِيلِ طَرِيقَ إِثْبَاتِ الشَّيْءِ بِإِبْطَالِ ضِدِّهِ، تَنْبِيهًا عَلَى قَصْدِ الْأَمْرَيْنِ وَإِيجَازًا فِي الْكَلَامِ.

وَافْتُتِحَتْ بِـ (إِنَّ) الْمُفِيدَةِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ، بِقَرِينَةِ خُلُوِّ الْمُخَاطَبِينَ عَنِ التَّرَدُّدِ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَمِنْ شَأْنِ (إِنَّ) إِذَا جَاءَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ تُفِيدَ التَّعْلِيلَ وَالرَّبْطَ، وَتَقُومَ مَقَامَ الْفَاءِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ.

وَالْمُرَادُ بِـ (الْمُعْتَدِينَ) الْمُشْركُونَ، لأنّهُ يُرَادِفُ الظَّالِمِينَ.

وَالْمَعْنَى: ادْعُوا رَبَّكُمْ لِأَنَّهُ يُحِبُّكُمْ وَلَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، كَقَوْلِهِ: (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) [غَافِر: 60] تَعْرِيضٌ بِالْوَعْدِ بِإِجَابَةِ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءَ الْكَافِرِينَ، قَالَ تَعَالَى: (وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) [الرَّعْد: 14] عَلَى أَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ فِيهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت