فهرس الكتاب

الصفحة 2439 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): الْآيَات 8 إِلَى 9]

(وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ(8) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)

و (لَوْلا) لِلتَّحْضِيضِ بِمَعْنَى (هَلَّا) .

وَالتَّحْضِيضُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيزِ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ) ، أَيْ لَقُضِيَ أَمْرُ عَذَابِهِمُ الَّذِي يَتَهَدَّدُهُمْ بِهِ.

وَمَعْنَى: (لَقُضِيَ) تُمِّمَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ) ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنْزِلُ مَلَائِكَةٌ غَيْرُ الَّذِينَ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لِلْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ مِثْلَ الْحَفَظَةِ، وَمَلَكِ الْمَوْتِ، وَالْمَلَكِ الَّذِي يَأْتِي بِالْوَحْيِ إِلَّا مَلَائِكَةٌ تَنْزِلُ لِتَأْيِيدِ الرُّسُلِ بِالنَّصْرِ عَلَى مَنْ يُكَذِّبُهُمْ، مِثْلَ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي نَزَلَتْ لِنَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَدْرٍ.

وَلَا تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْنَ الْقَوْمِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ إِلَّا لِإِنْزَالِ الْعَذَابِ بِهِمْ، كَمَا نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي قَوْمِ لُوطٍ.

فَمُشْرِكُو مَكَّةَ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيءَ أَنْ يُرِيَهُمْ مَلَكًا مَعَهُ ظَنُّوا مُقْتَرَحَهُمْ تَعْجِيزًا، فَأَنْبَأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمُ اقْتَرَحُوا أَمْرًا لَوْ أُجِيبُوا إِلَيْهِ لَكَانَ سَبَبًا فِي مُنَاجَزَةِ هَلَاكِهِمُ الَّذِي أَمْهَلَهُمْ إِلَيْهِ فِيهِ رَحْمَةً مِنْهُ.

وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ من فسّر (لَقُضِيَ الْأَمْرُ) بِمَعْنَى هَلَاكِهِمْ مِنْ هَوْلِ رُؤْيَةِ الْمَلَكِ فِي صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ.

وَلَيْسَ هَذَا بِلَازِمٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا ذَلِكَ.

وَجُمْلَةُ (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) مِنْ تَمَامِ الدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ جَدْوَى إِرْسَالِ الْمَلَكِ.

وَاللَّبْسُ: خَلْطٌ يَعْرِضُ فِي الصِّفَاتِ وَالْمَعَانِي بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَمْيِيزُ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ.

وَقَدْ عُدِّيَ هُنَا بِحَرْفِ (عَلَى) لِأَنَّ الْمُرَادَ لَبْسٌ فِيهِ غَلَبَةٌ لِعُقُولِهِمْ.

وَالْمَعْنَى: وَلَلَبَسْنَا عَلَى عُقُولِهِمْ، فَشَكُّوا فِي كَوْنِهِ مَلَكًا فَكَذَّبُوهُ.

وَفِي الْكَلَامِ احْتِبَاكٌ لِأَنَّ كِلَا اللَّبْسَيْنِ هُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ حَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ.

فَالتَّقْدِيرُ: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ فِي شَأْنِ الْمَلَكِ فَيَلْبِسُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي شَأْنِهِ كَمَا لَبَسْنَا عَلَيْهِمْ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَلْبِسُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي شَأْنِهِ.

وَهَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى حَمْلِ اقْتِرَاحِهِمْ عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ مِنْ إِرَادَتِهِمُ الِاسْتِدْلَالَ، فَلِذَلِكَ أُجِيبُوا عَنْ كَلَامِهِمْ إِرْخَاءً لِلْعِنَانِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ مَا أَرَادُوا بِكَلَامِهِمْ إِلَّا التَّعْجِيزَ وَالِاسْتِهْزَاءَ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الْآيَة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت