(قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ(50)
وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِلِاهْتِمَامِ بِإِبْلَاغِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) [الْأَنْعَام: 40] .
وَقَدْ تَكَرَّرَ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ مِنْ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ) [الْأَنْعَام: 67] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً.
وَالِاقْتِصَارُ عَلَى نَفْيِ ادِّعَاءِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ نَاظِرٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي سَأَلُوهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) [الْأَنْعَام: 8] وَقَوْلِهِ: (وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ) [الْأَنْعَام: 7] وَقَوْلِهِ: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ) [الْأَنْعَام: 35] الْآيَةَ.
وَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِنَفْيِ الْقَوْلِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَى الرِّسَالَةِ فَلَا وَجْهَ لِاقْتِرَاحِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمَنْفِيِّ قَوْلُهَا عَلَى الرَّسُولِ لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَجِيءَ عَلَى وَفْقِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ.
وَالْخَزَائِنُ جَمْعُ خِزَانَةٍ - بِكَسْرِ الْخَاءِ - وَهِيَ الْبَيْتُ أَوِ الصُّنْدُوقُ الَّذِي يَحْتَوِي مَا تَتُوقُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَمَا يَنْفَعُ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالْحَاجَةِ.
وَالْمَعْنَى أَنِّي لَيْسَ لِي تَصَرُّفٌ مَعَ اللَّهِ وَلَا أَدَّعِي أَنِّي خَازِنُ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ وَأَرْزَاقِهِ.
وخَزائِنُ اللَّهِ مُسْتَعَارَةٌ لِتَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِالْإِنْعَامِ وَإِعْطَاءِ الْخَيْرَاتِ النَّافِعَةِ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا.
شُبِّهَتْ تِلْكَ التَّعَلُّقَاتُ الصُّلُوحِيَّةُ وَالتَّنْجِيزِيَّةُ فِي حَجْبِهَا عَنْ عُيُونِ النَّاسِ وَتَنَاوُلِهِمْ مَعَ نَفْعِهَا إِيَّاهُمْ، بِخَزَائِنِ أَهْلِ الْيَسَارِ وَالثَّرْوَةِ الَّتِي تجمع الْأَمْوَال والأحبية وَالْخِلَعَ وَالطَّعَامَ، كَمَا أُطْلِقَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [المُنَافِقُونَ: 7] ، أَيْ مَا هُوَ مُودَعٌ فِي الْعَوَالِمِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى مِمَّا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) [الْحجر: 21] .
وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ وَهُوَ قَوْلُهُ (عِنْدِي) لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَابَةِ وَالْبِشَارَةِ لِلْمُخْبَرِينَ بِهِ لَوْ كَانَ يَقُولُهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)
وَأُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلَى طَرِيقَةِ عَطْفِ الْمَنْفِيَّاتِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُعَادَ مَعَهَا حَرْفُ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمُتَعَاطِفَاتِ جَمِيعَهَا مَقْصُودَةٌ بِالنَّفْيِ بِآحَادِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ.
وَعَطْفُ: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) عَلَى (لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ) بِإِظْهَارِ فِعْلِ الْقَوْلِ فِيهِ، خِلَافًا لِقَوْلِهِ: (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) لَعَلَّهُ لِدَفْعِ ثِقَلِ الْتِقَاءِ حَرْفَيْنِ: (لَا) وَحَرْفِ (إِنَّ) الَّذِي اقْتَضَاهُ مَقَامُ التَّأْكِيدِ، لِأَنَّ ادِّعَاءَ مِثْلِهِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُؤَكَّدَ، أَيْ لَمْ أَدَّعِ أَنِّي مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَتَقُولُوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) [الْأَنْعَام: 8] ، فَنَفْيُ كَوْنِهِ مَلَكًا جَوَابٌ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ أَوْ أَنْ يَكُونَ مَعَه ملك نذيرا.
وَالْمَقْصُودُ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَكُونَ مُقَارِنًا لِمَلَكٍ آخَرَ مُقَارَنَةَ تَلَازُمٍ كَشَأْنِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ.
فَالْمَعْنَى نَفْيُ مَاهِيَّةِ الْمَلَكِيَّةِ عَنْهُ لِأَنَّ لِجِنْسِ الْمَلَكِ خَصَائِصَ أُخْرَى مُغَايِرَةً لِخَصَائِصِ الْبَشَرِ.
وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يُكَلِّفُهُ عَنَتًا: إِنِّي لَسْتُ مِنْ حَدِيدٍ.
وَجُمْلَةُ (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ) الْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ هُنَا إِضَافِيٌّ، أَيْ دُونَ الِاشْتِغَالِ بِإِظْهَارِ مَا تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الْخَوَارِقِ لِلْعَادَةِ.
وَالْغَرَضُ مِنَ الْقَصْرِ قَلْبُ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَكُونُ رَسُولًا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ بِالْعَجَائِبِ الْمَسْئُولَةِ.
وَقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ بَيَانُ حَقِيقَةِ الرِّسَالَةِ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي ضَلَّ عَنْ إِدْرَاكِهَا الْمُعَانِدُونَ.
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي قَصْرَ تَصَرُّفِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الْعَمَلِ بِالْوَحْيِ حَتَّى يَحْتَجَّ بِهَا مَنْ يَنْفِي مِنْ عُلَمَائِنَا جَوَازَ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمُورِ الدِّينِ لِأَنَّ تِلْكَ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَهَا أَدِلَّةٌ لِلْجَانِبَيْنِ، وَلَا مِسَاسَ لَهَا بِهَذَا الْقَصْرِ.
وَمَنْ تَوَهَّمَهُ فَقَدْ أَسَاءَ التَّأْوِيلَ.
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)
وَشُبِّهَتْ حَالَةُ مَنْ لَا يَفْقَهُ الْأَدِلَّةَ وَلَا يُفَكِّكُ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُتَشَابِهَةِ بِحَالَةِ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَقْصِدُ وَلَا أَيْنَ يَضَعُ قَدَمَهُ.
وَشُبِّهَتْ حَالَةُ مَنْ يُمَيِّزُ الْحَقَائِقَ وَلَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ بِحَالَةِ الْقَوِيِّ الْبَصَرِ حَيْثُ لَا تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ الْأَشْبَاحُ.
وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ لِأَدِلَّتِهِمْ وَعُقْمِ أَقْيِسَتِهِمْ، وَلِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وَوَضَعُوا الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، أَوْ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُشْرِكِينَ الَّتِي هُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهَا وَالْحَالِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُمُ الَّتِي نَفَرُوا مِنْهَا لِيَعْلَمُوا أَيُّ الْحَالَيْنِ أَوْلَى بِالتَّخَلُّقِ.
وَقَوْلُهُ (أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ.
وَهُوَ مَعْطُوفٌ بِالْفَاءِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَدَمَ اسْتِوَاءِ الْأَعْمَى والبصير بديهي لَا يَسَعُهُمْ إِلَّا الِاعْتِرَافُ بِعَدَمِ اسْتِوَائِهِمَا فَلَا جَرَمَ أَنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ إِنْكَارُ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِي أَنَّهُمْ بِأَيِّهِمَا أَشْبَهُ.
وَالتَّفَكُّرُ: جَوَلَانُ الْعَقْلِ فِي طَرِيقِ اسْتِفَادَةِ علم صَحِيح.