فهرس الكتاب

الصفحة 2650 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 89]

(أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ(89)

اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَهِيَ فَذْلَكَةٌ ثَانِيَةٌ، لِأَنَّ الْفَذْلَكَةَ الْأُولَى رَاجِعَةٌ إِلَى مَا فِي الْجُمَلِ السَّابِقَةِ مِنَ الْهُدَى وَهَذِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمَهْدِيِّينَ.

وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ الِاعْتِنَاءِ بِتَمْيِيزِهِمْ وَإِخْطَارِ سِيرَتِهِمْ فِي الْأَذْهَانِ.

وَالْمُشَارُ إِلَيْهِمْ هُمُ الْمُعَيَّنُونَ بِأَسْمَائِهِمْ وَالْمَذْكُورُونَ إِجْمَالًا فِي قَوْلِهِ: (وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ) [الْأَنْعَام: 87] .

وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْجِنْسُ: أَيِ الْكُتُبُ.

وَإِيتَاءُ الْكِتَابِ يَكُونُ بِإِنْزَالِ مَا يُكْتَبُ، كَمَا أَنْزَلَ عَلَى الرُّسُلِ وَبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ يُعْتَبَرُ كِتَابًا، لِأَنَّ شَأْنَهُ أَنْ يُكْتَبَ سَوَاءٌ كُتِبَ أَمْ لَمْ يُكْتَبْ.

وَقَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ لَهُ صُحُفٌ بِقَوْلِهِ: (صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) [الْأَعْلَى: 19] وَكَانَ لِعِيسَى كَلَامُهُ الَّذِي كُتِبَ فِي الْإِنْجِيل.

ولداوود الْكَلَامُ الصَّادِرُ مِنْهُ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ نَبِيئًا وَلَمْ يَكُنْ رَسُولًا، وَلِسُلَيْمَانَ الْأَمْثَالُ، وَالْجَامِعَةُ، وَالنَّشِيدُ الْمَنْسُوبُ فِي ثَلَاثَتِهَا أَحْكَامٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا.

وَيُقَالُ: إِنَّ إِدْرِيسَ كَتَبَ الْحِكْمَةَ فِي صُحُفٍ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ (أَخْنُوخَ) ويدعوه القبط (توت) وَيَدْعُوهُ الْحُكَمَاءُ (هُرْمُسَ) .

وَيَكُونُ إِيتَاءُ الْكِتَابِ بِإِيتَاءِ النّبيء فهم ونبيين الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ، كَمَا أُوتِيَ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى أَمْثَالَ يَحْيَى فَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَهُ (يَا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ) [مَرْيَم: 12] .

وَالْحُكْمُ هُوَ الْحِكْمَةُ، أَيِ الْعِلْمُ بِطُرُقِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ.

قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ يَحْيَى (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مَرْيَم: 12] ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْيَى حَاكِمًا أَيْ قَاضِيًا، وَقَدْ يُفَسَّرُ الْحُكْمُ بِالْقَضَاءِ بِالْحَقِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْن دَاوُود وَسُلَيْمَانَ (وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا) [الْأَنْبِيَاء: 79] .

وَإِيتَاءُ هَذِهِ الثَّلَاثِ عَلَى التَّوْزِيعِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أُوتِيَ جَمِيعَهَا وَهُمُ الرُّسُلُ مِنْهُمْ وَالْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ حَكَمُوا بَيْنَ النّاس مثل دَاوُود وَسُلَيْمَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُوتِيَ بَعْضَهَا وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ غَيْرُ الرُّسُلِ وَالصَّالِحُونَ مِنْهُمْ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ شُمُولِ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِآبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ.

وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: (هؤُلاءِ) إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ فِي أَذْهَانِ السَّامِعِينَ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ الْقَبْرِ «فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ» (يَعْنِي النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .

وَقَدْ تَقَصَّيْتُ مَوَاقِعَ آيِ الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ يُعَبِّرُ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَثِيرًا بِكَلِمَةٍ (هَؤُلَاءِ) ، كَقَوْلِهِ (بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ) [الزخرف: 29] وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.

وَمَعْنَى: (وَكَّلْنا بِها) وَفَّقْنَا لِلْإِيمَانِ بِهَا وَمُرَاعَاتِهَا وَالْقِيَامِ بِحَقِّهَا.

فَالتَّوْكِيلُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوْكِيلِ إِسْنَادُ صَاحِبِ الشَّيْءِ تَدْبِيرِ شَيْئِهِ إِلَى مَنْ يَتَوَلَّى تَدْبِيرَهُ وَيَكْفِيهِ كُلْفَةَ حِفْظِهِ وَرِعَايَةِ مَا بِهِ بَقَاؤُهُ وَصَلَاحُهُ وَنَمَاؤُهُ.

يُقَالُ: وَكَّلْتُهُ عَلَى الشَّيْءِ وَوَكَّلْتُهُ بِالشَّيْءِ فَيَتَعَدَّى بِـ (عَلَى) وَبِالْبَاءِ.

وَقَدِ اسْتُعِيرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّوْفِيقِ إِلَى الْإِيمَانِ بِالنُّبُوءَةِ وَالْكِتَابِ وَالْحُكْمِ وَالنَّظَرِ فِي مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَرِعَايَتِهِ تَشْبِيهًا لِتِلْكَ الرِّعَايَةِ بِرِعَايَةِ الْوَكِيلِ، وَتَشْبِيهًا لِلتَّوْفِيقِ إِلَيْهَا بِإِسْنَادِ النَّظَرِ إِلَى الْوَكِيلِ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ بِيَدِ الْوَكِيلِ مَعَ حِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ، فَكَانَتِ اسْتِعَارَةُ وَكَّلْنا لِهَذَا الْمَعْنَى إِيجَازًا بَدِيعًا يُقَابِلُ مَا يَتَضَمَّنُهُ مَعْنَى الْكُفْرِ بِهَا مِنْ إِنْكَارِهَا الَّذِي فِيهِ إِضَاعَةُ حُدُودِهَا.

وَوَصَفَ الْقَوْمَ بِأَنَّهُمْ (لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ سَارَعُوا إِلَى الْإِيمَانِ بِهَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ جِيءَ فِي وَصْفِهِمْ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنِ اسْمِ (لَيْسَ) وَخَبَرِهَا لِأَنَّ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ نَفْيٍ إِذْ هِيَ فَعْلٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ فَجُمْلَتُهَا تَدُلُّ عَلَى دَوَامِ نَفْيِ الْكُفْرِ عَنْهُمْ، وَأُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِي خَبَرِ (لَيْسَ) لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ النَّفْيِ فَصَارَ دَوَامَ نَفْيٍ مُؤَكَّدًا.

وَالْمَعْنَى إِنْ يَكْفُرِ الْمُشْرِكُونَ بِنُبُوءَتِكَ وَنُبُوءَةِ مَنْ قَبْلِكَ فَلَا يَضُرُّكَ كُفْرُهُمْ لِأَنَّا قَدْ وَفَّقْنَا قَوْمًا مُؤْمِنِينَ لِلْإِيمَانِ بِكَ وَبِهِمْ، فَهَذَا تَسْلِيَة للرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِعْرَاضِ بَعْضِ قَوْمِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ.

وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ فِي قَوْلِهِ (لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) لِرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمَامِ بِمُعَادِ الضَّمِيرِ: الْكِتَابِ وَالْحُكْمِ وَالنُّبُوءَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت