(أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ(108)
وَقَوْلُهُ: (تُرِيدُونَ) يُؤْذَنُ بِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَقَعْ وَلَكِنَّهُ رُبَّمَا جَاشَ فِي نُفُوسِ بَعْضِهِمْ أَوْ رُبَّمَا أَثَارَتْهُ فِي نُفُوسِهِمْ شُبَهُ الْيَهُودِ فِي إِنْكَارِهِمُ النَّسْخَ وَإِلْقَائِهِمْ شُبْهَةَ الْبَدَاءِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَبْعَثُ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سُؤَالِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: (كَما سُئِلَ مُوسى) تَشْبِيةٌ وَجْهُهُ أَنَّ فِي أَسْئِلَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى كَثِيرًا مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي تُفْضِي بِهِمْ إِلَى الْكُفْرِ كَقَوْلِهِمُ: (اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) [الْأَعْرَاف: 138] أَوْ مِنَ الْعَجْرَفَةِ كَقَوْلِهِمْ: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [الْبَقَرَة: 55] فَيَكُونُ التَّحْذِيرُ مِنْ تَسَلْسُلِ الْأَسْئِلَةِ الْمُفْضِيَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ كَوْنُهُ رَاجِعًا إِلَى أَسْئِلَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَمَّا لَا يَعْنِيهِمْ وَعَمَّا يَجُرُّ لَهُمُ الْمَشَقَّةَ كَقَوْلِهِمْ (مَا لَوْنُها) [الْبَقَرَة: 69] وَ (مَا هِيَ) [الْبَقَرَة: 70] .
وَالْمَقْصُودُ التَّحْذِيرُ مِنْ تَطَرُّقِ الشَّكِّ فِي صَلَاحِيَّةِ الْأَحْكَامِ الْمَنْسُوخَةِ قَبْلَ نَسْخِهَا لَا فِي صَلَاحِيَّةِ الْأَحْكَامِ النَّاسِخَةِ عِنْدَ وُقُوعِهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) تَذْيِيلٌ لِلتَّحْذِيرِ الْمَاضِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمُحَذَّرَ مِنْهُ كُفْرٌ أَوْ يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهُ يُنَافِي حُرْمَةَ الرَّسُولِ وَالثِّقَةَ بِهِ وَبِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُفْرِ أَحْوَالُ أَهْلِ الْكُفْرِ أَيْ لَا تَتَبَدَّلُوا بِآدَابِكُمْ تَقَلُّدَ عَوَائِدِ أَهْلِ الْكُفْرِ فِي سُؤَالِهِمْ كَمَا
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ «الصَّحِيحَيْنِ» : «فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ»
وَإِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى أَحْوَالِ أَهْلِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كُفْرًا شَائِعٌ فِي أَلْفَاظِ الشَّرِيعَةِ وَأَلْفَاظِ السَّلَفِ كَمَا قَالَتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ زَوْجَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: «إِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ» تُرِيدُ الزِّنَا.