فهرس الكتاب

الصفحة 927 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 213]

(كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ(213)

وَالْأمة بضمة الْهَمْزَةِ: اسْمٌ لِلْجَمَاعَةِ الَّذِينَ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْأَمِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْقَصْدُ أَيْ يَؤُمُّونَ غَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْجَمَاعَةُ أُمَّةً إِذَا اتَّفَقُوا فِي الْمَوْطِنِ أَوِ الدِّينِ أَوِ اللُّغَةِ أَوْ فِي جَمِيعهَا.

وَالْوَصْف بـ (وَاحِدَةٌ) فِي الْآيَةِ لِتَأْكِيدِ الْإِفْرَادِ فِي قَوْلِهِ (أُمَّةً) لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْأُمَّةِ الْقَبِيلَةَ، فَيُظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ كَانَ النَّاسُ أَهْلَ نَسَبٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَجْمَعُهُمْ نَسَبٌ مُتَّحِدٌ.

وَالْوَحْدَةُ هُنَا: مُرَادٌ بِهَا الِاتِّحَادُ وَالتَّمَاثُلُ فِي الدِّينِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعٍ (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) إِلَخْ.

وَالْمُرَادُ بِالنَّبِيِّينَ هُنَا خُصُوصُ الرُّسُلِ مِنْهُمْ بِقَرِينَة قَوْله (فَبَعَثَ) وبقرينة الْحَالِ فِي قَوْلِهِ: (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) لِأَنَّ الْبِشَارَةَ وَالْإِنْذَارَ مِنْ خَصَائِصِ الرِّسَالَةِ وَالدَّعْوَةِ وَبِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) الْآيَةَ.

فَالتَّعْرِيفُ فِي (النَّبِيِّينَ) لِلِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ الِاسْتِغْرَاقُ الْمُلَقَّبُ بِالْعُرْفِيِّ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَعَانِي.

وَأَضَافَ (مَعَ) إِلَى ضَمِيرِ النَّبِيئِينَ إِضَافَةً مُجْمَلَةً وَاخْتِيرَ لَفْظُ مَعَ دُونَ (عَلَيْهِمْ) لِيَصْلُحَ لِمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مِنْهُمْ مِثْلِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ، وَلِمَنْ جَاءَ مُؤَيِّدًا لِمَنْ قَبْلَهُ مِثْلِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى.

وَالْمَعِيَّةُ مَعِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ أُرِيدَ بِهَا مُقَارَنَةُ الزَّمَانِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَعِيَّةِ هِيَ الْمُقَارَنَةُ فِي الْمَكَانِ وَهِيَ الْمُصَاحَبَةُ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ الْمَعِيَّةِ هُنَا لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ وَالنَّصْرِ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) [طه: 20]

وَفِي الْحَدِيثِ «وَمَعَكَ رُوحُ الْقُدُسِ» .

وَالتَّعْرِيفُ فِي الْكِتَابِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ وَأَنْزَلَ مَعَ النَّبِيئِينَ الْكُتُبَ الَّتِي نَزَلَتْ كُلَّهَا وَهُوَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ عَلَى مَعْنَى التَّوْزِيعِ، فَالْمَعْنَى أَنْزَلَ مَعَ كل نَبِي كِتَابَهُ وَقَرِينَةُ التَّوْزِيعِ مَوْكُولَةٌ لِعِلْمِ السَّامِعِينَ لِاشْتِهَارِ ذَلِكَ.

وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَقُلِ الْكُتُبَ، لِأَنَّ الْمُفْرَدَ وَالْجَمْعَ فِي مَقَامِ الِاسْتِغْرَاقِ سَوَاءٌ.

(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا بَيَانُ عَجِيبِ حَالِ الْبَشَرِ فِي تَسَرُّعِهِمْ إِلَى الضَّلَالِ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مِنْ تَارِيخِ الشَّرَائِعِ، وَتَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.

وَالتَّعْرِيضُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ أَشْهَرُ أَهْلِ الشَّرَائِعِ يَوْمَئِذٍ فِيمَا صَنَعُوا بِكُتُبِهِمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ اسْتِطْرَادِ الْقُرْآنِ فِي تَوْبِيخِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَخَاصَّةً الْيَهُودَ وَهِيَ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ بَلِيغَةٌ قَالَ زُهَيْرٌ:

إِنَّ الْبَخِيلَ مَلُومٌ حِينَ كَانَ ... وَلَكِنَّ الْجَوَادَ عَلَى عِلَّاتِهِ هَرَمُ

وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يَمْدَحُ الْخَلِيفَةَ وَيَسْتَطْرِدُ بِهِجَاءِ جَرِيرٍ:

إِلَى مَلِكٍ مَا أُمُّهُ مِنْ مُحَارِبٍ ... أَبُوهُ وَلَا كَانَتْ كُلَيْبٌ تُصَاهِرُهُ

وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَرِّفَاتِ لِمَا فِي الصِّلَةِ مِنَ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَلِفُونَ فِي مَقْصِدِ الْكِتَابِ هُمُ الَّذِينَ أُعْطُوا الْكِتَابَ لِيُزِيلُوا بِهِ الْخِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ فَأَصْبَحُوا هُمْ سَبَبَ خِلَافٍ فِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْمُرَادَ مِنْهُ.

وَالْمَعْنَى تَشْنِيعُ حَالِ الَّذِينَ أُوتُوهُ بِأَنْ كَانُوا أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقِّ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرَائِعِ، لِأَنَّ أُولَئِكَ لَهُمْ بَعْضُ الْعُذْرِ بِخِلَافِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا بَعْدَ كَوْنِ الْكِتَابِ بِأَيْدِيهِمْ.

وَالْآيَةُ تَقْتَضِي تَحْذِيرَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ أَيْ فِي أُصُولِ الْإِسْلَامِ، فَالْخِلَافُ الْحَاصِلُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ اخْتِلَافًا فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهَا إِجْمَاعِيَّةٌ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ تَحْقِيقَهَا، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَتْ أُصُولُهُمْ فِي الْبَحْثِ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ لِلِاسْتِدْلَالِ عَنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، وَاتَّفَقُوا فِي أَكْثَرِ الْفُرُوعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ الْوُصُولِ إِلَى مَقْصِدِ الشَّارِعِ، وَقَدِ اسْتَبْرَءُوا لِلدِّينِ فَأَعْلَنُوا جَمِيعًا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمًا فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ كَلَّفَ الْمُجْتَهِدِينَ بِإِصَابَتِهِ وَأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ مُخْطِئَهُ أَقَلُّ ثَوَابًا مِنْ مُصِيبِهِ، وَأَنَّ التَّقْصِيرَ فِي طَلَبِهِ إِثْمٌ.

فَالِاخْتِلَافُ الْحَاصِلُ بَيْنَ عُلَمَائِنَا اخْتِلَافٌ جَلِيلُ الْمِقْدَارِ مُوَسِّعٌ لِلْأَنْظَارِ.

أَمَّا لَوْ جَاءَ أَتْبَاعُهُمْ فَانْتَصَرُوا لِآرَائِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ ضَعْفِ الْمُدْرِكِ أَوْ خَطَئِهِ لَقَصْدِ تَرْوِيجِ الْمَذْهَبِ وَإِسْقَاطِ رَأْيِ الْغَيْرِ فَذَلِكَ يُشْبِهُ الِاخْتِلَافَ الَّذِي شَنَّعَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَذَّرَنَا مِنْهُ فَكُونُوا مِنْ مِثْلِهِ عَلَى حَذَرٍ وَلَا تَكُونُوا كَمَثَلِ قَوْلِ الْمُعَرِّيِّ:

فَمُجَادِلٌ وَصَلَ الْجِدَالَ وَقَدْ دَرَى ... أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِيهِ لَيْسَ كَمَا زَعَمْ

عَلِمَ الْفَتَى النَّظَّارُ أَنَّ بَصَائِرًا ... عَمِيَتْ فَكَمْ يخفى الْيَقِين وَكم يُعَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت