(وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(168)
وَوَصْفُ الْأُمَمِ بِأَنَّهُمْ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ إِيذَانٌ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ شَمِلَ الْمُذْنِبِينَ وَغَيْرَهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلصَّالِحِينَ مَنْزِلَةَ إِكْرَامٍ عِنْدَ الْأُمَمِ الَّتِي حلّوا بَينهمَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) وَشَمِلَ قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِ فُقْدَانِ الصَّلَاحِ مِنْهُمْ.
والصَّالِحُونَ هُمُ الْمُتَمَسِّكُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى وَالْمُصَدِّقُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ الْمَبْعُوثِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ بِعِيسَى بَعْدَ بِعْثَتِهِ، وَأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا بَعْدَ بِعْثَةِ عِيسَى غَيْرَ صَالِحِينَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَزَادُوا بَعْدَ بعثة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمِ إِيمَانِهِمْ بِهِ، بُعْدًا عَنِ الصَّلَاحِ إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا مِنْهُمْ مثل عبد لله بْنِ سَلَامٍ، وَمُخَيْرِيقٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ تُشِيرُ إِلَى تَفْرِيقِهِمْ فِي الْأَرْضِ فِي مُدَّةِ مُلُوكِ بَابِلَ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي مُدَّةِ إِقَامَتِهِمْ بِبَابِلَ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ مِثْلُ (دَانْيَالَ) وَغَيْرِهِ، (وَمِنْهُمْ دُونُ ذَلِكَ) لِأَنَّ التَّقْسِيمَ بِـ (مِنْهُمْ) مُشْعِرٌ بِوَفْرَةِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) أَيْ أَظْهَرْنَا مُخْتَلِفَ حَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، أَوْ فِي الْجَزَعِ وَالْكُفْرِ، بِسَبَبِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَهِيَ جَمْعُ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ بِمَعْنَى الَّتِي تَحْسُنُ وَالَّتِي تَسُوءُ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ تَفْصِيلًا لِلْبَلْوَى، فَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ بَالَتِي تَحْسُنُ لِفَرِيقِ الصَّالِحِينَ وَبَالَّتِي تَسُوءُ فَرِيقَ غَيْرِهِمْ، تَوْزِيعًا لِحَالِ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي قَوْلِهِ: (بَلَوْناهُمْ) .
(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
وَالرُّجُوعُ هُنَا الرُّجُوعُ عَنْ نَقْضِ الْعَهْدِ وَعَنِ الْعِصْيَانِ، وَهُوَ مَعْنَى التَّوْبَةِ.
هَذَا كُلُّهُ جَرْيٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْمُفَسِّرِينَ الْآيَةَ فِي مَعْنَى (قَطَّعْناهُمْ) .
وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا) عَوْدًا إِلَى أَخْبَارِ الْمِنَنِ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ كَالْبِنَاءِ عَلَى قَوْلِهِ: (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا) [الْأَعْرَاف: 160] ،
فَيَكُونُ تَقْطِيعًا مَحْمُودًا، وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ: أَرْضُ الْقُدْسِ الْمَوْعُودَةُ لَهُمْ أَيْ لَكَثَّرْنَاهُمْ فَعَمَرُوهَا جَمِيعَهَا، فَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَرْضِ هُنَا دُونَ آيَةِ (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا) [الْأَعْرَاف: 160] لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ عَمَرُوهَا كُلَّهَا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) إِنْصَافًا لَهُمْ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْوَالِ عُدْوَانِ جَمَاعَاتِهِمْ وَصَمِّ آذَانِهِمْ عَنِ الْمَوْعِظَةِ، وَقَوْلُهُ: (وَبَلَوْناهُمْ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ عَامَلَهُمْ مَرَّةً بِالرَّحْمَةِ وَمَرَّةً بِالْجَزَاءِ عَلَى أَعمال دهمائهم.