(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(96)
وَمَعْنَى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) إِبْقَاءُ حِلِّيَّتِهِ لِأَنَّهُ حَلَالٌ مِنْ قَبْلِ الْإِحْرَامِ.
وَالصَّيْدُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَصِيدِ لِيَجْرِيَ اللَّفْظُ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ فِي مَوَاقِعِهِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، أَيْ أُحِلَّ لَكُمْ قَتْلُهُ، أَيْ إِمْسَاكُهُ مِنَ الْبَحْرِ.
وَالْبَحْرُ يَشْمَلُ الْأَنْهَارَ وَالْأَوْدِيَةَ لِأَنَّ جَمِيعَهَا يُسَمَّى بَحْرًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.
وَصَيْدُ الْبَحْرِ: كُلُّ دَوَابِّ الْمَاءِ الَّتِي تصاد فِيهِ، فَيَكُونُ إِخْرَاجُهَا مِنْهُ سَبَبَ مَوْتِهَا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا.
فَأَمَّا مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَفِي الْمَاءِ فَلَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ كَالضُّفْدَعِ وَالسُّلَحْفَاةِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا.
أَمَّا الْخِلَافُ فِيمَا يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ مِنْهُ مَا لَا يُؤْكَلُ، فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذكره، لأنّ الْآيَة لَيْسَتْ بِمُثْبِتَةٍ لِتَحْلِيلِ
أَكْلِ صَيْدِ الْبَحْرِ وَلَكِنَّهَا مُنَبِّهَةً عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِهِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
وَقَوْلُهُ: (وَطَعامُهُ) عُطِفَ عَلَى (صَيْدُ الْبَحْرِ) .
وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْبَحْرِ، أَيْ وَطَعَامُ الْبَحْرِ، وَعَطْفُهُ اقْتَضَى مُغَايَرَتَهُ لِلصَّيْدِ.
وَالْمَعْنَى: وَالْتِقَاطُ طَعَامِهِ أَوْ وَإِمْسَاكُ طَعَامِهِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ «طَعَامِهِ» .
وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ طَعَامَ الْبَحْرِ هُوَ مَا طَفَا عَلَيْهِ مِنْ مَيْتَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُ مَوْتِهِ إِمْسَاكَ الصَّائِدِ لَهُ.
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ طَعَامِ الْبَحْرِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَا يُلَائِمُ سِيَاقَ الْآيَةِ.
وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ حَرَّمُوا أَكْلَ مَا يُخْرِجُهُ الْبَحْرُ مَيِّتًا، وَيَرُدُّ قَوْلَهُمْ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْحُوتِ الْمُسَمَّى الْعَنْبَرَ، حِينَ وَجَدُوهُ مَيِّتًا، وَهُمْ فِي غَزْوَةٍ، وَأَكَلُوا مِنْهُ، وَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَكَلَ مِنْهُ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالسَّيَّارَةُ: الْجَمَاعَةُ السَّائِرَةُ فِي الْأَرْضِ لِلسَّفَرِ وَالتِّجَارَةِ، مُؤَنَّثُ سَيَّارٍ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ) [يُوسُف: 19] .
وَالْمَعْنَى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ تَتَمَتَّعُونَ بِأَكْلِهِ وَيَتَمَتَّعُ بِهِ الْمُسَافِرُونَ، أَيْ تَبِيعُونَهُ لِمَنْ يَتَّجِرُونَ وَيَجْلِبُونَهُ إِلَى الْأَمْصَارِ.
وَقَوْلُهُ: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ لِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ، تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [الْمَائِدَة: 95] ، وَلِبَيَانِ أَنَّ مُدَّةَ التَّحْرِيمِ مُدَّةُ كَوْنِهِمْ حُرُمًا، أَيْ مُحْرِمِينَ أَوْ مَارِّينَ بِحَرَمِ مَكَّةَ.
وَهَذَا إِيمَاءٌ لِتَقْلِيلِ مُدَّةِ التَّحْرِيمِ اسْتِئْنَاسًا بِتَخْفِيفٍ، وَإِيمَاءٌ إِلَى نِعْمَةِ اقْتِصَارِ تَحْرِيمِهِ عَلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَحَرَّمَهُ أَبَدًا.
وَذَيَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)
وَفِي إِجْرَاءِ الْوَصْفِ بِالْمَوْصُولِ وَتِلْكَ الصِّلَةُ تَذْكِيرٌ بِأَنَّ الْمَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ لِيَعُدَّ النَّاسُ مَا اسْتَطَاعُوا مِنَ الطَّاعَةِ لِذَلِكَ اللِّقَاءِ.