(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(97)
وَالْجَعْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْإِيجَادِ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) فِي (سُورَةِ الْأَنْعَامِ) [1] ، وَيُطْلَقُ بِمَعْنى التصيير فتعدّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَالِحٌ هُنَا.
وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَدَ الْكَعْبَةَ، أَيْ أَمَرَ خَلِيلَهُ بِإِيجَادِهَا لِتَكُونَ قِيَامًا لِلنَّاسِ.
وَمَعْنَى وَصْفِ الْبَيْتِ بِالْحَرَامِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ فَهُوَ مُحْتَرَمٌ عَظِيمُ الْمَهَابَةِ.
وَالْقِيَامُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ قَامَ إِذَا اسْتَقَلَّ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَيُسْتَعَارُ لِلنَّشَاطِ، وَيُسْتَعَارُ مِنْ ذَلِكَ لِلتَّدْبِيرِ وَالْإِصْلَاحِ، لِأَنَّ شَأْنَ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا مُهِمًّا أَنْ يَنْهَضَ لَهُ، فَالْقِيَامُ هُنَا بِمَعْنَى الصَّلَاحِ وَالنَّفْعِ.
وَإِنَّمَا كَانَتِ الْكَعْبَةُ قِيَامًا لِلنَّاسِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يُنْزِلَ فِي مَكَّةَ زَوْجَهُ وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَرَادَ أَنْ تَكُونَ نَشْأَةُ الْعَرَبِ الْمُسْتَعْرِبَةِ (وَهُمْ ذُرِّيَّةُ إِسْمَاعِيلَ) فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لِيَنْشَأُوا أُمَّةً أَصِيلَةَ الْآرَاءِ عَزِيزَةَ النُّفُوسِ ثَابِتَةَ الْقُلُوبِ، لِأَنَّهُ قَدَّرَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأُمَّةُ هِيَ أَوَّلُ مَنْ يَتَلَقَّى الدِّينَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ الْأَدْيَانِ وَأَرْسَخَهَا، وَأَنْ يكون مِنْهُ انبثات الْإِيمَانِ الْحَقِّ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ.
فَأَقَامَ لَهُمْ بَلَدًا بَعِيدًا عَنِ التَّعَلُّقِ بِزَخَارِفِ الْحَيَاةِ فَنَشَأُوا عَلَى إِبَاءِ الضَّيْمِ، وَتَلَقَّوْا سِيرَةً صَالِحَةً نَشَأُوا بِهَا عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ وَأَقَامَ
لَهُمْ فِيهِ الْكَعْبَةَ مَعْلَمًا لِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَوَضَعَ فِي نُفُوسِهِمْ وَنُفُوسِ جِيرَتِهِمْ تَعْظِيمَهُ حرمته.
وَدَعَا مُجَاوِرِيهِمْ إِلَى حَجِّهِ مَا اسْتَطَاعُوا، وَسَخَّرَ النَّاسَ لِإِجَابَةِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ، فَصَارَ وُجُودُ الْكَعْبَةِ عَائِدًا عَلَى سُكَّانِ بَلَدِهَا بِفَوَائِدَ التَّأَنُّسِ بِالْوَافِدِينَ، وَالِانْتِفَاعِ بِمَا يَجْلِبُونَهُ مِنَ الْأَرْزَاقِ، وَبِمَا يَجْلِبُ التُّجَّارُ فِي أَوْقَاتِ وُفُودِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَأَصْبَحَ سَاكِنُوهُ لَا يَلْحَقُهُمْ جُوعٌ وَلَا عَرَاءٌ.
وَعَطْفُ الشَّهْرَ الْحَرامَ عَلَى الْكَعْبَةَ شِبْهُ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْكَعْبَةِ أُرِيدَ بِهَا مَا يَشْمَلُ عَلَائِقَهَا وَتَوَابِعَهَا، فَإِنَّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ مَا اكْتَسَبَتِ الْحُرْمَةَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلْكَعْبَةِ كَمَا عَلِمْتَ.
وَكَوْنُ الْهَدْيِ قِيَامًا لِلنَّاسِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِبَيْعِهِ لِلْحَاجِّ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي مِنَ الْعَرَبِ، وَيَنْتَفِعُ بِلُحُومِهِ مِنَ الْحَاجِّ فُقَرَاءُ الْعَرَبِ، فَهُوَ قِيَامٌ لَهُمْ.
وَكَذَلِكَ الْقَلَائِدُ فَإِنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِهَا فَيَتَّخِذُونَ مِنْ ظَفَائِرِهَا مَادَّةً عَظِيمَةً لِلْغَزْلِ وَالنَّسْجِ، فَتِلْكَ قِيَامٌ لِفُقَرَائِهِمْ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ هُنَا، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مِنْ أَقَلِّ آثَارِ الْحَجِّ، التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ عَلَائِقِ الْكَعْبَةِ فِيهَا قِيَامٌ لِلنَّاسِ، حَتَّى أَدْنَى الْعَلَائِقِ، وَهُوَ الْقَلَائِدُ، فَكَيْفَ بِمَا عَدَاهَا مِنْ جِلَالِ الْبُدْنِ وَنِعَالِهَا وَكِسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَلِأَنَّ الْقَلَائِدَ أَيْضًا لَا يَخْلُو عَنْهَا هَدْيٌ مِنَ الْهَدَايَا بِخِلَافِ الْجِلَالِ وَالنِّعَالِ.
وَقَوْلُهُ: (ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الْآيَةَ، مُرْتَبِطٌ بِالْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ بِوَاسِطَةِ لَامِ التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ (لِتَعْلَمُوا) .
وَتَوَسُّطُ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ لِزِيَادَةِ الرَّبْطِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْجَعْلُ الْمَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِهِ: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ) فَتَوَسُّطُ اسْمِ الْإِشَارَةِ هُنَا شَبِيهٌ بِتَوَسُّطِ ضَمِيرِ الْفَصْلِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْكَلَامُ شَبِيهًا بِالْمُسْتَأْنَفِ وَمَا هُوَ بمستأنف.
وَالْمَعْنَى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ قِيَامًا لِلنَّاسِ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ إِلَخْ .. ، أَيْ أَنَّ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي جَعَلَ الْكَعْبَةَ قِيَامًا لِلنَّاسِ لِأَجْلِهَا أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ يَعْلَمُ.
فَجَعْلُ الْكَعْبَةِ قِيَامًا مَقْصُودٌ مِنْهُ صَلَاح النَّاس بادئ ذِي بَدْءٍ لِأَنَّهُ الْمَجْعُولَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَقْصُودٌ مِنْهُ عِلْمُ النَّاسِ بِأَنَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ.
وَقَدْ تَكُونُ فِيهِ حِكَمٌ أُخْرَى، وَإِنَّمَا اقْتُصِرَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ دُونَ غَيْرِهَا لِشِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهَا، لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهَا فَوَائِدُ جَمَّةٌ لِلْعَارِفِينَ بِهَا فِي الِامْتِثَالِ وَالْخَشْيَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِعَجْزِ مَنْ سِوَاهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
فَحُصُولُ هَذَا الْعِلْمِ غَايَةٌ مِنَ الْغَايَاتِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ قِيَامًا لِأَجْلِهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْضِ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّعْلِيلَ مُتَعَلِّقًا بِجَعْلِ الْكَعْبَةِ وَمَا تَبِعَهَا قِيَامًا لِلنَّاسِ.
وَقَدْ كَانَ قِيَامُهَا لِلنَّاسِ حَاصِلًا بَعْدَ وَقْتِ جَعْلِهَا بِمُدَّةٍ، وَقَدْ حَصَلَ بَعْضُهُ يَتْلُو بَعْضًا فِي أَزْمِنَةٍ مُتَرَاخِيَةٍ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَلَا يُحْتَاجُ لِلِاسْتِدْلَالِ لِأَنَّهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخَلَائِقَ قَدْ عَلِمَ تِلْكَ الْأَحْوَالِ بَعْدَ وُقُوعِهَا.
وَوَجْهُ دَلَالَةِ جَعْلِ الْكَعْبَةِ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمْ يَدْرِ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ اتَّخَذَهَا مَسْجِدًا، وَمَكَّةُ يَوْمَئِذٍ قَلِيلَةُ السُّكَّانِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِحَجِّ الْكَعْبَةِ وَبِحُرْمَةِ حَرَمِهَا وَحُرْمَةِ الْقَاصِدِينَ إِلَيْهَا، وَوَقَّتَ للنَّاس أشهرا الْقَصْد فِيهَا، وَهَدَايًا يَسُوقُونَهَا إِلَيْهَا فَإِذَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ صَلَاحٌ عَظِيمٌ وَحَوَائِلُ دُونَ مَضَارٍّ كَثِيرَةٍ بِالْعَرَبِ لَوْلَا إِيجَادُ الْكَعْبَةِ، كَمَا بَيَّنَاهُ آنِفًا.
فَكَانَتِ الْكَعْبَةُ سَبَبَ بَقَائِهِمْ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ.
فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِبِنَائِهَا قَدْ عَلِمَ أَنْ سَتَكُونُ هُنَالِكَ أُمَّةٌ كَبِيرَةٌ، وَأَنْ سَتَحْمَدُ تِلْكَ الْأُمَّةُ عَاقِبَةَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَمَا مَعَهُ مِنْ آثَارِهَا.
وَكَانَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِمَا عَلِمَهُ مِنْ بعثة مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ، وَجَعْلِهِمْ حَمَلَةَ شَرِيعَتِهِ إِلَى الْأُمَمِ، وَمَا عَقِبَ ذَلِكَ مِنْ عِظَمِ سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ وَبِنَاءِ حَضَارَةِ الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ هُوَ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْأَرْضِ بِدَلِيلِ الْمُشَاهَدَةِ، أَوْ بِالتَّرَفُّعِ عَنِ النَّقْصِ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا فِي السَّمَاوَات، لأنّ السَّمَاوَات إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِلْأَرْضِ فِي أَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ فِيهَا، وَلَا هِيَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ، كَمَا هُوَ الِاعْتِقَادُ الْخَاصُّ، فَثَبَتَ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ بِقِيَاسِ الْمُسَاوَاةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَعَالَى فِي أَرْفَعِ الْمَكَانِ وَأَشْرَفِ الْعَوَالِمَ، فَيَكُونُ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ أَحْرَى مِنْ عِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَهُوَ بِهَا أَعَنَى، فَيَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ.
وَأَمَّا دَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَلِأَنَّ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي تَقَرَّرَ مِنْ عِلْمِهِ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَنْوَاعًا مِنَ الْمَعْلُومَاتِ جَلِيلَةً وَدَقِيقَةً فَالْعِلْمُ بِهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا لَا مَحَالَةَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَخْلُ مِنْ جَهْلِ بَعْضِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْجَهْلُ مُعَطِّلًا لِعِلْمِهِ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَتَوَقَّفُ تَدْبِيرُهُ عَلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْمَجْهُولِ فَهُوَ مَا دَبَّرَ جَعْلَ الْكَعْبَةِ قِيَامًا وَمَا نَشَأَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عُمُومِ عِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ وَلَوْلَا عُمُومُهُ مَا تَمَّ تَدْبِيرُ ذَلِك المقدّر.