(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(194)
وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: الْأَصْنَامُ، فَتَعْرِيفُهَا بِالْمَوْصُولِ لِتَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى خَطَأِ رَأْيِهِمْ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فِي حِينٍ هِيَ لَيْسَتْ أَهْلًا لِذَلِكَ، فَهَذَا الْمَوْصُولُ كَالْمَوْصُولِ فِي قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
إِنَّ الَّذِينَ تُرَوْنَهُمْ إِخْوَانَكُمْ ... يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أَنْ تُصْرَعُوا
وَ (الْعَبْدُ) أَصْلُهُ الْمَمْلُوكُ، ضِدَّ الْحُرِّ، وَقَدْ أُطْلِقَ فِي اللِّسَانِ عَلَى الْمَخْلُوقِ: كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا) [مَرْيَم: 93] وَلذَلِك يُطلق العَبْد عَلَى النَّاسِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ فَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْعِبَادِ عَلَى الْأَصْنَامِ كَإِطْلَاقِ ضَمِيرِ جَمْعِ الْعُقَلَاءِ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى الشَّائِعِ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْإِطْلَاقِ، وَجَعَلَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» إِطْلَاقَ تَهَكُّمٍ وَاسْتِهْزَاءٍ بِالْمُشْرِكِينَ، يَعْنِي أَنَّ قصارى أَمرهم أَن يَكُونُوا أَحْيَاءً عُقَلَاءَ فَلَوْ بَلَغُوا تِلْكَ الْحَالَةَ لَمَا كَانُوا إِلَّا مَخْلُوقِينَ مِثْلَكُمْ، قَالَ وَلِذَلِكَ أَبْطَلَ أَنْ يَكُونُوا عِبَادًا بِقَوْلِهِ (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ) [الْأَعْرَاف: 195] إِلَى آخِرِهِ.
وَالْأَحْسَنُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ رُوعِيَ فِي حُسْنِهِ الْمُشَاكَلَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاثَلَهُمْ بِالْمُخَاطَبِينَ فِي الْمَخْلُوقِيَّةِ وَكَانَ الْمُخَاطَبُونَ عِبَادَ اللَّهِ أَطْلَقَ الْعِبَادَ عَلَى مُمَاثَلِيهِمْ مُشَاكَلَةً.
وَفَرَّعَ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ أَمْرَ التَّعْجِيزِ بِقَوْلِهِ (فَادْعُوهُمْ) فَإِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيزِ بِاعْتِبَارِ مَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ (فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) المضمن إِجَابَةَ الْأَصْنَامِ إِيَّاهُمْ، لِأَنَّ نَفْسَ الدُّعَاءِ مُمْكِنٌ وَلَكِنَّ اسْتِجَابَتَهُ لَهُمْ لَيْسَتْ مُمْكِنَةً.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّعْوَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا الدَّعْوَةُ لِلنَّصْرِ وَالنَّجْدَةِ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ أَمْرَ التَّعْجِيزِ كِنَايَةٌ عَنْ ثُبُوتِ عَجْزِ الْأَصْنَامِ عَنْ إِجَابَتِهِمْ، وَعَجْزِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ إِظْهَارِ دُعَاءٍ لِلْأَصْنَامِ تَعْقُبُهُ الِاسْتِجَابَةُ.
وَالْأَمْرُ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ: (فَلْيَسْتَجِيبُوا) أَمْرَ تَعْجِيزٍ لِلْأَصْنَامِ، وَهُوَ أَمْرُ الْغَائِبِ فَإِنَّ طَرِيقَ أَمْرِ الْغَائِبِ هُوَ الْأَمْرُ.
وَمَعْنَى تَوْجِيهِ أَمْرِ الْغَائِبِ السَّامِعِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُبْلِغَ الْأَمْرَ لِلْغَائِبِ.
وَهَذَا أَيْضًا كِنَايَةٌ عَنْ عَجْزِ الْأَصْنَامِ عَنْ الِاسْتِجَابَةِ لِعَجْزِهَا عَنْ تَلَقِّي التَّبْلِيغِ مِنْ عَبَدَتِهَا.