(وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(132)
احْتِرَاسٌ عَلَى قَوْلِهِ: (ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ) [الْأَنْعَام: 131] لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْغَالِبِ عَلَى أَهْلِهَا الشِّرْكُ وَالظُّلْمُ لَا يُحْرَمُونَ جَزَاءَ صَلَاحِهِمْ.
وَالتَّنْوِينُ فِي: وَلِكُلٍّ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ: أَيْ وَلِكُلِّهِمْ، أَيْ كُلِّ أَهْلِ الْقُرَى الْمُهْلَكَةِ دَرَجَاتٌ.
يَعْنِي أَنَّ أَهْلَهَا تَتَفَاوَتُ أَحْوَالُهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ (كُلٍّ) مُرَادًا بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَأَتَى بِلَفْظِ الدَّرَجَاتِ كَانَ إِيمَاءً إِلَى تَغْلِيبِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِأَنَّهُمْ لَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِ مُشْرِكِيهَا، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِمْ مِنَ الْعَذَابِ: فِي الدُّنْيَا بِالْهِجْرَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِحَشْرِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَصِّرُوا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِيذَانٌ بِأَنَّهُمْ سَيَخْرُجُونَ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي حَقَّ عَلَى أَهْلِهَا الْعَذَابُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَصَابَ أَهْلَ مَكَّةَ بِالْجُوعِ وَالْخَوْفِ ثُمَّ بِالْغَزْوِ بَعْدَ أَنْ أنجى رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الدَّرَجَاتِ أَنَّ أَسَافِلَهَا دَرَكَاتٌ فَغُلِّبَ دَرَجَاتٌ لِنُكْتَةِ الْإِشْعَارِ بِبِشَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ نِذَارَةِ الْمُشْرِكِينَ.