فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): الْآيَات 26 إلى 27]

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ(26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27)

وَالْمُرَادُ بِالْمَثَلِ هُنَا الشَّبَهُ مُطْلَقًا لَا خُصُوصَ الْمركب من هَيْئَة، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ هُنَا مَا طَعَنُوا بِهِ فِي تَشَابِيهِ الْقُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِ: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا) [الْحَج: 73] وَقَوْلِهِ: (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) [العنكبوت: 41] .

وَمَوْقِعُ (إِنَّ) هُنَا بَيِّنٌ.

وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَمًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ فَلِأَنَّ هَذَا الْعَلَمَ جَامِعٌ لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَذِكْرُهُ أَوْقَعُ فِي الْإِقْنَاعِ بِأَنَّ كَلَامَهُ هُوَ أَعْلَى كَلَامٍ فِي مُرَاعَاةِ مَا هُوَ حَقِيقٌ بِالْمُرَاعَاةِ وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا إِبْطَالٌ لِتَمْوِيهِهِمْ بِأَنَّ اشْتِمَالَ الْقُرْآنِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمَثَلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَهُ أَن يستحي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

وَلِهَذَا أَيْضًا اخْتِيرَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْنَدُ خُصُوصَ فِعْلِ الِاسْتِحْيَاءِ زِيَادَةً فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا التَّمْثِيلَ بِهَاتِهِ الْأَشْيَاءِ لِمُرَاعَاةِ كَرَاهَةِ النَّاسِ وَمِثْلُ هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِحْيَاءِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ

فَنُبِّهُوا عَلَى أَنَّ الْخَالِق لَا يستحي مِنْ ذَلِكَ إِذْ لَيْسَ مِمَّا يستحي مِنْهُ، وَلِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَالِقِهَا وَالْمُتَصَرِّفِ فِيهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِحْيَاءِ هُنَا مُحَاكَاةً لقَولهم أما يستحي رَبُّ مُحَمَّدٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ.

فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانٍ حَقِيرَةٍ غَيْرَ مُخِلٍّ بِالْبَلَاغَةِ

فَمَا بَالُنَا نَرَى كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ النَّقْدِ قَدْ نَقَدُوا مِنْ كَلَامِ الْبُلَغَاءِ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَثَلٍ هَذَا كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:

مِنْ عِزِّهِمْ حَجَرَتْ كُلَيْبٌ بَيْتَهَا ... زَرْبًا كَأَنَّهُمُ لَدَيْهِ الْقُمَّلُ

وَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ:

أَمَاتَكُمُ مِنْ قَبْلِ مَوْتِكُمُ الْجَهْلُ ... وَجَرَّكُمُ مِنْ خِفَّةٍ بِكُمُ النَّمْلُ

وَقَوْلِ الطِّرِمَّاحِ:

وَلَوْ أَنَّ بُرْغُوثًا عَلَى ظَهْرِ قَمْلَةٍ ... يَكُرُّ عَلَى ضَبْعَيْ تَمِيمٍ لَوَلَّتِ

قُلْتُ أُصُولُ الِانْتِقَادِ الْأَدَبِيِّ تُؤَوَّلُ إِلَى بَيَانِ مَا لَا يَحْسُنُ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَدِيبِ مِنْ جَانِبِ صِنَاعَةِ الْكَلَامِ، وَمِنْ جَانِبِ صُوَرِ الْمَعَانِي، وَمِنْ جَانِبِ الْمُسْتَحْسَنِ مِنْهَا وَالْمَكْرُوهِ وَهَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ وَمَدَارِكِ الْعُقُولِ وَأَصَالَةِ الْأَفْهَامِ بِحَسَبِ الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ صِنَاعَةِ الْأَدَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَقْبُولًا عِنْدَ قَوْمٍ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَخِرَيْنِ، وَمَقْبُولًا فِي عَصْرٍ مَرْفُوضًا فِي غَيْرِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ النَّابِغَةِ يُخَاطِبُ الْمَلِكَ النُّعْمَانَ:

فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ

فَإِنَّ تَشْبِيهَ الْمَلِكِ بِاللَّيْلِ لَوْ وَقَعَ فِي زَمَانِ الْمُوَلَّدِينَ لَعُدَّ مِنَ الْجَفَاءِ أَوِ الْعَجْرَفَةِ، وَكَذَلِكَ تَشْبِيهُهُمْ بِالْحَيَّةِ فِي الْإِقْدَامِ وَإِهْلَاكِ الْعَدُوِّ فِي قَوْلِ ذِي الْإِصْبَعِ:

عَذِيرَ الْحَيِّ مِنْ عَدَوَا ... نَ كَانُوا حَيَّةَ الْأَرْضِ

وَقَوْلِ النَّابِغَةِ فِي رِثَاءِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ:

مَاذَا رُزِئْنَا بِهِ مِنْ حَيَّةٍ ذَكَرٍ ... نَضْنَاضَةٍ بِالرَّزَايَا صِلِّ أَصْلَالِ

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَب أَن عليّا بْنَ الْجَهْمِ مَدَحَ الْخَلِيفَةَ الْمُتَوَكِّلَ بِقَوْلِهِ:

أَنْتَ كَالْكَلْبِ فِي وَفَائِكَ بِالْعَهْ ... دِ وَكَالتَّيْسِ فِي قِرَاعِ الْخُطُوبِ

وَأَنَّهُ لَمَّا سَكَنَ بَغْدَادَ وَعَلِقَتْ نَضَارَةُ النَّاسِ بِخَيَالِهِ قَالَ فِي أَوَّلِ مَا قَالَهُ:

عُيُونُ الْمَهَا بَيْنَ الرَّصَافَةِ وَالْجِسْرِ ... جَلَبْنَ الْهَوَى مِنْ حَيْثُ أَدْرِي وَلَا أَدْرِي

وَقَدِ انْتَقَدَ بَشَّارٌ عَلَى كُثَيِّرٍ قَوْلَهُ:

أَلَا إِنَّمَا لَيْلَى عَصَا خَيْزُرَانَةٌ ... إِذَا لَمَسُوهَا بِالْأَكُفِّ تَلِينُ

فَقَالَ لَوْ جَعَلَهَا عَصَا مُخٍّ أَوْ عَصَا زُبْدٍ لَمَا تَجَاوَزَ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَصَا، عَلَى أَنَّ بَشَّارًا هُوَ الْقَائِلُ:

إِذَا قَامَتْ لِجَارَتِهَا تَثَنَّتْ ... كَأَنَّ عِظَامَهَا مِنْ خَيْزُرَانِ

وَشَبَّهَ بِشَارٌ عَبْدَةَ بِالْحَيَّةِ فِي قَوْلِهِ:

وَكَأَنَّهَا لَمَّا مَشَتْ ... أَيْمٌ تَأَوَّدَ فِي كَثِيبْ

وَالِاسْتِحْيَاءُ وَالْحَيَاءُ وَاحِدٌ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ اسْتَقْدَمَ وَاسْتَأْخَرَ وَاسْتَجَابَ، وَهُوَ انْقِبَاضُ النَّفْسِ مِنْ صُدُورِ فِعْلٍ أَوْ تَلَقِّيهِ لِاسْتِشْعَارِ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ أَوْ لَا يَحْسُنُ فِي مُتَعَارَفِ أَمْثَالِهِ، فَهُوَ هَيْئَةٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الِانْفِعَالِ يَظْهَرُ أَثَرُهَا عَلَى الْوَجْهِ وَفِي الْإِمْسَاكِ عَنْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَفْعَلَ.

وَالِاسْتِحْيَاءُ هُنَا مَنْفِيٌّ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهِ إِلَى اللَّهِ، وَالتَّعَلُّلُ لِذَلِكَ بِأَنَّ نَفْيَ الْوَصْفِ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الِاتِّصَافِ تَعَلُّلٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.

وَالضَّرْبُ فِي قَوْلِهِ: (أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي الْوَضْعِ وَالْجَعْلِ مِنْ قَوْلِهِمْ ضَرَبَ خَيْمَةً وَضَرَبَ بَيْتًا قَالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:

إِنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهَاجِرَةً ... بِكُوفَةِ الْجُنْدِ غَالَتْ وُدَّهَا غُولُ

وَقَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:

ضَرَبَتْ عَلَيْكَ الْعَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ

أَيْ جَعَلَ شَيْئًا مَثَلًا أَيْ شَبَهًا، قَالَ تَعَالَى: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) [النَّحْل: 74] أَيْ لَا تَجْعَلُوا لَهُ مُمَاثِلًا مِنْ خَلْقِهِ فَانْتِصَابُ مَثَلًا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ.

وَتَنْكِيرُ (مَثَلًا) لِلتَّنْوِيعِ بِقَرِينَةِ بَيَانِهِ بِقَوْلِهِ (بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) .

وَ (مَا) إِبْهَامِيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالنَّكِرَةِ فَتُؤَكِّدُ مَعْنَاهَا مِنْ تَنْوِيعٍ أَوْ تَفْخِيمٍ أَوْ تَحْقِيرٍ، نَحْوِ لِأَمْرٍ مَا وَأَعْطَاهُ شَيْئًا مَا.

وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مَزِيدَةٌ لِتَكُونَ دَلَالَتُهَا عَلَى التَّأْكِيدِ أَشَدَّ.

وَقِيلَ اسْمٌ بِمَعْنَى النَّكِرَةِ الْمُبْهَمَةِ.

وَقَوْلُهُ: (فَما فَوْقَها) عُطِفَ عَلَى (بَعُوضَةً)

وَأَصْلُ فَوْقَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُعْتَلِي عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ اسْمٌ مُبْهَمٌ فَلِذَلِكَ كَانَ مُلَازِمًا لِلْإِضَافَةِ لِأَنَّهُ تَتَمَيَّزُ جِهَتُهُ بِالِاسْمِ الَّذِي يُضَافُ هُوَ إِلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْجِهَاتِ الْمُلَازِمَةِ لِلْإِضَافَةِ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي الْمُتَجَاوِزِ غَيْرَهُ فِي صِفَةٍ تَجَاوُزًا ظَاهِرًا تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الشَّيْءِ الْمُعْتَلِي عَلَى غَيْرِهِ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَلٍ عَلَيْهِ، فَفَوْقَ فِي مِثْلِهِ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى التَّغَلُّبِ وَالزِّيَادَةِ فِي صِفَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الْمَحَامِدِ أَوْ مِنَ الْمَذَامِّ يُقَالُ: فُلَانٌ خَسِيسٌ وَفَوْقَ الْخَسِيسِ وَفُلَانٌ شُجَاعٌ وَفَوْقَ الشُّجَاعِ، وَتَقُولُ: أُعْطِيَ فُلَانٌ فَوْقَ حَقِّهِ أَيْ زَائِدًا عَلَى حَقِّهِ.

وَهُوَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صَالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ أَيْ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْبَعُوضَةِ فِي الْحَقَارَةِ وَمَا هُوَ أَكْبَرُ حَجْمًا.

وَنَظِيرُهُ

قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ،

يَحْتَمِلُ أَقَلَّ مِنَ الشَّوْكَةِ فِي الْأَذَى مِثْلَ نُخْبَةِ النَّمْلَةِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، أَوْ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الشَّوْكَةِ مِثْلُ الْوَخْزِ بِسِكِّينٍ وَهَذَا مِنْ تَصَارِيفِ لَفْظِ فَوْقَ فِي الْكَلَامِ وَلِذَلِكَ كَانَ لِاخْتِيَارِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دُونَ لَفْظِ أَقَلَّ وَدُونَ لَفْظِ أَقْوَى مَثَلًا مَوْقِعٌ مِنْ بَلِيغِ الْإِيجَازِ.

وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ (مَا فَوْقَهَا) عَلَى (بَعُوضَةً) أَفَادَتْ تَشْرِيكَهُمَا فِي ضَرْبِ الْمَثَلِ بِهِمَا، وَحَقُّهَا أَنْ تُفِيدَ التَّرْتِيبَ وَالتَّعْقِيبَ وَلَكِنَّهَا هُنَا لَا تُفِيدُ التَّعْقِيبَ وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَتْ فِي مَعْنَى التَّدَرُّجِ فِي الرُّتَبِ بَيْنَ مَفَاعِيلِ أَنْ يَضْرِبَ وَلَا تُفِيدُ أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ يَكُونُ بِالْبَعُوضَةِ وَيَعْقُبُهُ ضَرْبُهُ بِمَا فَوْقَهَا بَلِ الْمُرَادُ بَيَانُ الْمَثَلِ بِأَنَّهُ الْبَعُوضَةُ وَمَا يَتَدَرَّجُ فِي مَرَاتِبِ الْقُوَّةِ زَائِدًا عَلَيْهَا دَرَجَةً تَلِي دَرَجَةً فَالْفَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ عَلَاقَتُهُ الْإِطْلَاقُ عَنِ الْقَيْدِ لِأَنَّ الْفَاءَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي هُوَ اتِّصَالٌ خَاصٌّ، فَاسْتُعْمِلَتْ فِي مُطْلَقِ الِاتِّصَالِ، أَوْ هِيَ مُسْتَعَارَةٌ لِلتَّدَرُّجِ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالتَّعْقِيبِ فِي التَّأَخُّرِ فِي التَّعَقُّلِ كَمَا أَنَّ التَّعْقِيبَ تَأَخُّرٌ فِي الْحُصُولِ وَمِنْهُ: «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ فَالْمُقَصِّرِينَ» .

وَإِنَّمَا عَبَّرَ فِي جَانب الْمُؤمنِينَ بـ (يعلمون) تَعْرِيضًا بِأَنَّ الْكَافِرِينَ إِنَّمَا قَالُوا مَا قَالُوا عِنَادًا وَمُكَابَرَةً وَأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ أَصَابَ الْمَحَزَّ، كَيْفَ وَهَمَ أَهْلُ اللِّسَانِ وَفُرْسَانُ الْبَيَانِ، وَلَكِنْ شَأْنُ الْمُعَانِدِ الْمُكَابِرِ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْتَقِدُ حَسَدًا وَعِنَادًا.

وَكَوْنُ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُضَلَّلِ وَالْمَهْدِيِّ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ، لَا يُنَافِي نَحْوَ قَوْلِهِ: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13] لِأَنَّ قُوَّةَ الشُّكْرِ الَّتِي اقْتَضَاهَا صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ، أَخَصُّ فِي الِاهْتِدَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت