فهرس الكتاب

الصفحة 2591 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 70]

(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ(70)

و (ذَرْ) فِعْلُ أَمْرٍ.

قِيلَ: لَمْ يَرِدْ لَهُ مَاضٍ وَلَا مَصْدَرٌ وَلَا اسْمُ فَاعِلٍ وَلَا اسْمُ مَفْعُولٍ.

فتصاريفه هَذِه مماتة فِي الِاسْتِعْمَالِ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِأَمْثَالِهَا مِنْ مَادَّةِ تَرَكَ تَجَنُّبًا لِلثِّقَلِ وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعَهُ وَالْأَمْرَ مِنْهُ.

وَمَعْنَى: (ذَرِ) اتْرُكْ، أَيْ لَا تُخَالِطْ.

وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي عَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِهِمْ وَقِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِاسْتِهْزَائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) [المدثر: 11] ، وَقَوْلِهِ: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ)

أَيْ لَا تُبَالِ بِهِمْ وَلَا تَهْتَمَّ بِضَلَالِهِمُ الْمُسْتَمِرِّ وَلَا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ فَالتَّذْكِيرُ بِالْقُرْآنِ شَامِلٌ لَهُمْ، أَوْ لَا تَعْبَأْ بِهِمْ وَذَكِّرْهُمْ بِهِ، أَيْ لَا يَصُدَّكَ سُوءُ اسْتِجَابَتِهِمْ عَنْ إِعَادَةِ تَذْكِيرِهِمْ.

وَالدِّينُ فِي قَوْلِهِ: (اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) أَيْ جَعَلُوا الدِّينَ مَجْمُوعَ أُمُورٍ هِيَ مِنَ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، أَيِ الْعَبَثِ وَاللَّهْوِ عِنْدَ الْأَصْنَامِ فِي مَوَاسِمِهَا، وَالْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً) [الْأَنْفَال: 35] .

وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلِ اتَّخَذُوا اللَّهْوَ وَاللَّعِبَ دِينًا لِمَكَانِ قَوْلِهِ: (اتَّخَذُوا) فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ مَا هُوَ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ دِينًا لَهُمْ بَلْ عَمَدُوا إِلَى أَنْ يَنْتَحِلُوا دِينًا فَجَمَعُوا لَهُ أَشْيَاءَ مِنَ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ وَسَمَّوْهَا دِينًا.

(وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا)

وَذِكْرُ الْحَيَاةِ هُنَا لَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ وَهُوَ أَنَّ هَمَّهُمْ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ الْحَيَاةُ فِيهَا لَا مَا يتكسب فِيهَا مِنَ الْخَيْرَاتِ الَّتِي تَكُونُ بِهَا سَعَادَةُ الْحَيَاةِ فِي الْآخِرَةِ، أَيْ غَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَأَوْهَمَتْهُمْ أَنْ لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) [الْأَنْعَام: 29] .

وَوَقَعَ لَفْظُ (نَفْسٌ) وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَقُصِدَ بِهِ الْعُمُومُ بِقَرِينَةِ مَقَامِ الْمَوْعِظَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) [الإنفطار: 5] - أَيْ كُلُّ نَفْسٍ - عَلِمَتْ نَفْسَ مَا أَحْضَرَتْ، أَيْ كُلُّ نَفْسٍ.

وَالْإِبْسَالُ: الْإِسْلَامُ إِلَى الْعَذَابِ، وَقِيلَ: السَّجْنُ وَالِارْتِهَانُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كَلَامِهِمْ بِالْمَعْنَيَيْنِ وَهُمَا صَالِحَانِ هُنَا.

وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَسْلِ وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْحَرَامُ.

(وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْها)

و (تَعْدِلْ) مُضَارِعُ عَدَلَ إِذَا فَدَى شَيْئًا بِشَيْءٍ وَقَدَّرَهُ بِهِ.

فَالْفِدَاءُ يُسَمَّى الْعَدْلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) فِي (سُورَةِ الْبَقَرَةِ) [48] .

وَجِيءَ فِي الشَّرْطِ بِـ (إِنْ) الْمُفِيدَةِ عَدَمَ تَحَقُّقِ حُصُولِ الشَّرْطِ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مَفْرُوضٌ كَمَا يُفْرَضُ الْمُحَالُ.

و (كُلَّ) هُنَا مُجَازٌ فِي الْكَثْرَةِ إِذْ لَيْسَ لِلْعَدْلِ، أَيْ لِلْفِدَاءِ حَصْرٌ حَتَّى يُحَاطَ بِهِ كُلِّهِ.

وَقَدْ جَمَعَتِ الْآيَةُ جَمِيعَ مَا تَعَارَفَ النَّاسُ التَّخَلُّصَ بِهِ مِنَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبِ، وَهُوَ النَّاصِرُ وَالشَّفِيعُ وَالْفِدْيَةُ.

فَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) فِي (سُورَةِ الْبَقَرَةِ) [48] .

وَجُمْلَةُ: (أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ الْكَلَامَ يُثِيرُ سُؤَالَ سَائِلٍ يَقُولُ: فَمَا حَالُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا مِنْ حَالِ النُّفُوسِ الَّتِي تُبْسَلُ بِمَا كَسَبَتْ، فَأُجِيبَ بِأَنَّ أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا، فَتَكُونُ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَوْصُولِ بِمَا لَهُ مِنَ الصِّلَةِ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْجُزْأَيْنِ أَفَادَ الْقَصْرَ، أَيْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُبْسَلُونَ لَا غَيْرُهُمْ.

وَهُوَ قَصْرُ مُبَالَغَةٍ لِأَنَّ إِبْسَالَهُمْ هُوَ أَشَدُّ إِبْسَالٍ يَقَعُ فِيهِ النَّاسُ فَجَعَلَ مَا عَدَاهُ كَالْمَعْدُومِ.

(لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ)

وَالْحَمِيمُ: الْمَاءُ الشَّدِيدُ الْحَرَارَةِ، وَمِنْهُ الْحَمَّةُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ - الْعَيْنُ الْجَارِيَةُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ الَّذِي يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ أَوْجَاعِ الْأَعْضَاءِ وَالدُّمَّلِ.

وَخُصَّ الشَّرَابُ مِنَ الْحَمِيمِ مِنْ بَيْنِ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ بُعْدٍ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ يَعْطَشُونَ فَلَا يَشْرَبُونَ إِلَّا مَاءً يَزِيدُهُمْ حَرَارَةً عَلَى حَرَارَةِ الْعَطَشِ.

وَالْبَاءُ فِي (بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) لِلسَّبَبِيَّةِ، وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ.

وَزِيدَ فِعْلُ (كَانَ) لِيَدُلَّ عَلَى تَمَكُّنِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ وَاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِعْلَ مَادَّةِ الْكَوْنِ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ، فَالْإِخْبَارُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِغَيْرِهِ أَوْ مَوْصُوفٍ بِغَيْرِهِ لَا يُفِيدُ فَائِدَةَ الْأَوْصَافِ سِوَى أَنَّهُ أَفَادَ الْوُجُودَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّمَكُّنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت