(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ(155)
وَالْمُرَادُ بِالزَّلَلِ الِانْهِزَامُ، وَإِطْلَاقُ الزَّلَلِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ كَإِطْلَاقِ ثَبَاتِ الْقَدَمِ عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ النَّصْرُ قَالَ تَعَالَى: (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) [آل عمرَان: 147] .
وَالْبَاءُ فِي (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) لِلسَّبَبِيَّةِ وَأُرِيدَ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا مُفَارَقَةُ مَوْقِفِهِمْ، وَعِصْيَانُ أَمْرِ الرَّسُولِ، وَالتَّنَازُعُ، وَالتَّعْجِيلُ إِلَى الْغَنِيمَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا أَصَابَهُمْ كَانَ مِنْ آثَار الشَّيْطَان، رماهم فِيهِ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذَا إِلْقَاءُ تَبِعَةِ ذَلِكَ الِانْهِزَامِ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، وَإِبْطَالُ مَا عَرَّضَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ رَمْيِ تَبِعَتِهِ عَلَى أَمْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْخُرُوجِ، وَتَحْرِيضِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْجِهَادِ.
وَذَلِكَ شَأْنُ ضِعَافِ الْعُقُولِ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِمْ مُقَارِنُ الْفِعْلِ بِسَبَبِهِ، وَلِأَجْلِ تَخْلِيصِ الْأَفْكَارِ مِنْ هَذَا الْغَلَطِ الْخَفِيِّ وَضَعَ أَهْلُ الْمَنْطِقِ بَابَ الْقَضِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ وَالْقَضِيَّةِ الِاتِّفَاقِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) أُعِيدَ الْإِخْبَارُ بِالْعَفْوِ تَأْنِيسًا لَهُمْ كَقَوْلِهِ: (وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ) .