فهرس الكتاب
(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(70)
وَالِاسْتِفْهَامُ مُوَجَّهٌ لِلْمُخَاطَبِ تَقْرِيرًا عَنْهُمْ، بِحَيْثُ يَكُونُ كَالِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ أَتَاهُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
وَالْإِتْيَانُ مُسْتَعْمَلٌ فِي بُلُوغِ الْخَبَرِ، شُبِّهَ حُصُولُ الْخَبَرِ عِنْدَ الْمُخْبَرِ بِإِتْيَانِ الشَّخْصِ، بِجَامِعِ الْحُصُولِ بَعْدَ عَدَمِهِ.
وَإِضَافَةُ أَصْحابِ إِلَى مَدْيَنَ بِاعْتِبَارِ إِطْلَاقِ اسْمِ مَدْيَنَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يَقْطُنُهَا بَنُو مَدْيَنَ، فَكَمَا أَنَّ مَدْيَنَ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا) [الْأَعْرَاف: 85] كَذَلِكَ هُوَ اسْمٌ لِمَوْطِنِ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ.
(وَالْمُؤْتَفِكاتِ) عُطِفَ عَلَى أَصْحابِ مَدْيَنَ، أَيْ نَبَأِ الْمُؤْتَفِكَاتِ، وَهُوَ جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الِائْتِفَاكِ وَهُوَ الِانْقِلَابُ.
أَيِ الْقُرَى الَّتِي انْقَلَبَتْ وَالْمُرَادُ بِهَا: قُرًى صَغِيرَةٌ كَانَتْ مَسَاكِنَ قَوْمِ لُوطٍ وَهِيَ: سَدُومُ، وَعَمُورَةُ، وَأَدَمَةُ، وَصِبْوِيمُ وَكَانَتْ قُرًى
مُتَجَاوِرَةً فَخُسِفَ بِهَا وَصَارَ عَالِيهَا سَافِلَهَا.
وَكَانَتْ فِي جِهَاتِ الْأُرْدُنِّ حَوْلَ الْبَحْرِ الْمَيِّتِ، وَنَبَأُ هَؤُلَاءِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، وَهُوَ خَبَرُ هَلَاكِهِمْ وَاسْتِئْصَالِهِمْ بِحَوَادِثَ مَهُولَةٍ.
وَجُمْلَةُ: (أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ تَعْلِيلٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ: (نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِدَلَائِلَ الصِّدْقِ وَالْحَقِّ.
وَجُمْلَةُ (فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
نُظِمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الأسلوب البديع إِذا ابْتُدِئَ فِيهِ بِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ ظَلَمَهُمُ اهْتِمَامًا بِذَلِكَ لِفَرْطِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ صُنْعِهِمْ حَتَّى جَعَلَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ هُوَ الْمُفَرَّعُ، وَجَعَلَ الْمُفَرَّعَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى فِي صُورَةِ الِاسْتِدْرَاكِ.
وَنُفِيَ الظُّلْمُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَبْلَغِ وَجْهٍ، وَهُوَ النَّفْيُ الْمُقْتَرِنُ بِلَامِ الْجُحُودِ، بَعْدَ فِعْلِ الْكَوْنِ الْمَنْفِيِّ.
وَأُثْبِتَ ظُلْمُهُمْ أَنْفُسَهُمْ لَهُمْ بِأَبْلَغِ وَجْهٍ إِذْ أُسْنِدَ إِلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الْكَوْنِ الْمَاضِي، الدَّالِّ عَلَى تَمَكُّنِ الظُّلْمِ مِنْهُمْ مُنْذُ زَمَانٍ مَضَى، وَصِيغَ الظُّلْمُ الْكَائِنُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالتَّكَرُّرِ، أَيْ عَلَى تَكْرِيرِ ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِي الْأَزْمِنَة الْمَاضِيَة.