فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 10]

(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ(10)

قَدَّمَ الظَّرْفَ وَهُوَ (فِي قُلُوبِهِمْ) لِلِاهْتِمَامِ لِأَنَّ الْقُلُوبَ هِيَ مَحَلُّ الْفِكْرَةِ فِي الْخِدَاعِ فَلَمَّا كَانَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ هُوَ مُتَعَلِّقُهَا وَأَثَرُهَا كَانَ هُوَ الْمُهْتَمَّ بِهِ فِي الْجَوَابِ.

وَتَنْوِينُ مَرَضٌ لِلتَّعْظِيمِ.

وَأَطْلَقَ الْقُلُوبَ هُنَا عَلَى مَحَلِّ التَّفْكِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) [الْبَقَرَة: 7] .

وَالْمَرَضُ حَقِيقَةٌ فِي عَارِضٍ لِلْمَزَاجِ يُخْرِجُهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ الْخَاصِّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الْجِسْمِ خُرُوجًا غَيْرَ تَامٍّ وَبِمِقْدَارِ الْخُرُوجِ يَشْتَدُّ الْأَلَمُ فَإِنْ تَمَّ الْخُرُوجُ فَهُوَ الْمَوْتُ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ الْعَارِضَةِ لِلْأَخْلَاقِ الْبَشَرِيَّةِ عُرُوضًا يُخْرِجُهَا عَنْ كَمَالِهَا.

وَالْمُرَادُ بِالْمَرَضِ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ هُوَ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ مَذَمَّتِهِمْ وَبَيَانِ مَنْشَأِ مُسَاوِي أَعْمَالِهِمْ.

وَإِنَّمَا أُسْنِدَتْ زِيَادَةُ مَرَضِ قُلُوبِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّ زِيَادَةَ هَاتِهِ الْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ مِنْ ذَاتِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ هَذَا التَّوَلُّدَ وَأَسْبَابَهُ وَكَانَ أَمْرًا خَفِيًّا نَبَّهَ النَّاسَ عَلَى خَطَرِ الِاسْتِرْسَالِ فِي النَّوَايَا الْخَبِيثَةِ وَالْأَعْمَالِ الْمُنْكَرَةِ، وَأَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَزِيدَ تِلْكَ النَّوَايَا تَمَكُّنًا مِنَ الْقَلْبِ فَيَعْسُرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ الْإِقْلَاعُ عَنْهَا بَعْدَ تَمَكُّنِهَا، وَأُسْنِدَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ إِلَى اسْمِهِ تَعَالَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأَهْمَلَهُمْ وَشَأْنَهُمْ وَلَمْ يَتَدَارَكْهُمْ بِلُطْفِهِ الَّذِي يُوقِظُهُمْ مِنْ غَفَلَاتِهِمْ لِيُنَبِّهَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى خَطَرِ أَمْرِهَا وَأَنَّهَا مِمَّا يَعْسُرُ إِقْلَاعُ أَصْحَابِهَا عَنْهَا لِيَكُونَ حَذَرُهُمْ مِنْ مُعَامَلَتِهِمْ أَشَدَّ مَا يُمْكِنُ.

وَقَوْلُهُ: (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) إِكْمَالًا لِلْفَائِدَةِ فَكَمُلَ بِهَذَا الْعَطْفِ بَيَانُ مَا جَرَّهُ النِّفَاقُ إِلَيْهِمْ مِنْ فَسَادِ الْحَالِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ.

وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَهُوَ (لَهُمْ) لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنه خبر لا نعت حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ الْمُبْتَدَأِ الْعِلْمُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِمْ فَلَا تَلْهُو النَّفْسُ عَنْ تَلَقِّيهِ.

وَالْأَلِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ أَنَّ الرُّبَاعِيَّ بِمَعْنَى مُفْعَلٍ وَأَصْلُهُ عَذَابٌ مُؤْلَمٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ مُؤْلَمٌ مَنْ يُعَذَّبُ بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ لِأَنَّ الْمُؤْلَمَ هُوَ الْمُعَذَّبُ دُونَ الْعَذَابِ كَمَا قَالُوا جَدَّ جَدُّهُ، أَوْ هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ أَلِمٍ بِمَعْنَى صَارَ ذَا أَلَمٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ أَيْ مُؤْلِمٍ بِكَسْرِ اللَّامِ، فَقِيلَ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الْعَرَبِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَثَبَتَ فِي نَظِيرِهَا نَحْوُ الْحَكِيمِ وَالسَّمِيعِ بِمَعْنَى الْمُسْمِعِ كَقَوْلِ عَمْرو بن معديكرب:

وَخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ

أَيْ مُوجِعٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت