(وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا(32)
وَالتَّمَنِّي هُوَ طَلَبُ حُصُولِ مَا يَعْسُرُ حُصُولُهُ لِلطَّالِبِ.
وَذَلِكَ لَهُ أَحْوَالٌ مِنْهَا أَنْ يَتَمَنَّى مَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ فِيهِ إِلَى شَيْءٍ فِي يَدِ الْغَيْرِ، وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُهُ مِنْ شَرْعٍ أَوْ عَادَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُمْكِنَ الْحُصُولِ كَتَمَنِّي الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمْ كَانَ غَيْرَ مُمْكِنِ الْحُصُولِ
كَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ الله ثمَّ أحيى ثُمَّ أقتل ثمَّ أحيى ثُمَّ أُقْتَلُ» .
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَيْتَنَا نَرَى إِخْوَانَنَا»
يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بَعْدَهُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَتَمَنَّى مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لِمَانِعٍ عَادِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ، كَتَمَنِّي أُمِّ سَلَمَةَ أَنْ يَغْزُوَ النِّسَاءُ كَمَا يَغْزُو الرِّجَالُ، وَأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُسَاوِيَةَ الرَّجُلِ فِي الْمِيرَاثِ وَمِنْهَا أَنْ يَتَمَنَّى تَمَنِّيًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا بِمَا سَاقَهُ اللَّهُ وَالضَّجَرِ مِنْهُ، أَوْ عَلَى الِاضْطِرَابِ وَالِانْزِعَاجِ، أَوْ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَتَمَنَّى نِعْمَةً تُمَاثِلُ نِعْمَةً فِي يَدِ الْغَيْرِ مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِهَا لِلْمُتَمَنِّي بِدُونِ أَنْ تُسْلَبَ مِنَ الَّتِي هِيَ فِي يَدِهِ كَتَمَنِّي عِلْمٍ مِثْلِ عِلْمِ الْمُجْتَهِدِ أَوْ مَالٍ مِثْلِ مَالِ قَارُونَ.
وَمِنْهَا أَنْ يَتَمَنَّى ذَلِكَ لَكِنَّ مِثْلَهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِسَلْبِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِهِ كَتَمَنِّي مُلْكِ بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ زَوْجَةِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ.
وَمِنْهَا أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةٍ عَنِ الْغَيْرِ بِدُونِ قَصْدِ مَصِيرِهَا إِلَى الْمُتَمَنِّي.
وَحَاصِلُ مَعْنَى النَّهْيِ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ: إِمَّا نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِتَرْبِيَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَنْ لَا يَشْغَلُوا نُفُوسَهُمْ بِمَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِنَوَالِهِ ضَرُورَة أنّه سمّاه تَمَنِّيًا، لِئَلَّا يَكُونُوا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا حَدِيثُ: «يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»
وَيكون قَوْله: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) إِرْشَادٌ إِلَى طَلَبِ الْمُمْكِنِ، إِذْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ سُؤَالَ اللَّهِ وَدُعَاءَهُ يَكُونُ فِي مَرْجُوِّ الْحُصُولِ، وَإِلَّا كَانَ سُوءَ أَدَبٍ.
وَإِمَّا نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عَطْفِهِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ الْمُحَرَّمَةِ، فَيَكُونُ جَرِيمَةً ظَاهِرَةً، أَوْ قَلْبِيَّةً كَالْحَسَدِ، بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النِّسَاء: 29] .
فَالتَّمَنِّي الْأَوَّلُ وَالرَّابِعُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ «بَابُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ» ،
وَذَكَرَ حَدِيثَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ» .
وَأَمَّا التَّمَنِّي الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا اضْطِرَابُ النَّفْسِ وَعَدَمُ الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ وَالشَّكُّ فِي حِكْمَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَأَمَّا التَّمَنِّي الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُمَا لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ مِنَ الْحَسَدِ،
وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا»
وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ أَنْ يَخْطِبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيه، إلّا إِذْ كَانَ تَمَنِّيهِ فِي الْحَالَةِ الْخَامِسَةِ تَمَنِّي حُصُولِ ذَلِكَ لَهُ بَعْدَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَعْجِلُ مَوْتَهُ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ، لَمَّا اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، يُخَاطِبُ الْمُهَاجِرِينَ: «فَكُلُّكُمْ وَرِمَ أَنْفُهُ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْأَمْرُ دُونَهُ» .
وَالسَّادِسُ أَشَدُّ وَهُوَ شَرُّ الْحَسَدَيْنِ إِلَّا إِذَا كَانَ صَاحِبُ النِّعْمَةِ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ضُرٍّ يَلْحَقُ الدِّينَ أَوِ الْأُمَّةَ أَوْ عَلَى إِضْرَارِ الْمُتَمَنِّي.
ثُمَّ مَحَلُّ النَّهْيِ فِي الْآيَةِ: هُوَ التَّمَنِّي، وَهُوَ طَلَبُ مَا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِتَحْصِيلِهِ بِكَسْبِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى سُلُوكِ مَسَالِكِ الْعَدَاءِ، فَأَمَّا طَلَبُ مَا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُ مِنْ غَيْرِ ضُرٍّ بِالْغَيْرِ فَلَا نَهْيَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ بِطَلَبِهِ يَنْصَرِفُ إِلَى تَحْصِيلِهِ فَيُحَصِّلُ فَائِدَةً دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً، أَمَّا طَلَبُ مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِتَحْصِيلِهِ فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْفَوَائِدِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَلَا ضَيْرَ فِيهِ.
وَحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنِ الْأَقْسَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ التَّمَنِّي أَنَّهَا تُفْسِدُ مَا بَيْنَ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ فينشأ عَنْهَا التحاسد، وَهُوَ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ، إِذْ حَسَدَ إِبْلِيسُ آدَمَ، ثُمَّ يَنْشَأُ عَنِ الْحَسَدِ الْغَيْظُ وَالْغَضَبُ فَيُفْضِي إِلَى أَذَى الْمَحْسُود، وَقد قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) [الفلق: 5] .
وَكَانَ سَبَبُ أَوَّلِ جَرِيمَةٍ فِي الدُّنْيَا الْحَسَدَ: إِذْ حسد أحد ابْني آدَمَ أَخَاهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ إِنَّ تَمَنِّي الْأَحْوَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا يَنْشَأُ فِي النُّفُوسِ أَوَّلَ مَا يَنْشَأُ خَاطِرًا مُجَرَّدًا، ثُمَّ يَرْبُو فِي النَّفْسِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى يَصِيرَ مَلَكَةً، فَتَدْعُو الْمَرْءَ إِلَى اجْتِرَامِ الْجَرَائِمِ لِيَشْفِيَ غِلَّتَهُ، فَلِذَلِكَ نُهُوا عَنْهُ لِيَزْجُرُوا نُفُوسَهُمْ عِنْدَ حُدُوثِ هَاتِهِ التَّمَنِّيَاتِ بِزَاجِرِ الدِّينِ وَالْحِكْمَةِ فَلَا يَدَعُوهَا تَرْبُو فِي النُّفُوسِ.
وَمَا نَشَأَتِ الثَّوْرَاتُ والدعايات إِلَى ابتراز الْأَمْوَالِ بِعَنَاوِينَ مُخْتَلِفَةٍ إِلَّا مِنْ تَمَنِّي مَا فَضَّلَ بِهِ اللَّهُ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ إِلَّا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ.