فهرس الكتاب

الصفحة 3335 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): آيَة 157]

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157)

وَتَقْدِيمُ وَصْفِ الرَّسُولِ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الْأَخَصُّ الْأَهَمُّ، وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ زِيَادَةَ تَسْجِيلٍ لِتَحْرِيفِ أَهْلِ الْكِتَابِ، حَيْثُ حَذَفُوا هَذَا الْوَصْفَ لِيَصِيرَ كَلَامُ التَّوْرَاةِ صَادِقًا بِمَنْ أَتَى بَعْدَ مُوسَى مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلِأَن مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتهر بِوَصْف النَّبِي الْأُمِّيِّ، فَصَارَ هَذَا الْمُرَكَّبُ كَاللَّقَبِ لَهُ، فَلِذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ عَنْ شُهْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ حَيْثُمَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ.

وَالْأُمِّيُّ: الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ، قِيلَ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ أَيْ هُوَ أَشْبَهُ بِأُمِّهِ مِنْهُ بِأَبِيهِ، لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي الْعَرَبِ مَا كُنَّ يَعْرِفْنَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ، وَمَا تَعَلَّمْنَهَا إِلَّا فِي الْإِسْلَامِ، فَصَارَ تَعَلُّمُ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ مِنْ شِعَارِ الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ.

أَمَّا الرِّجَالُ فَفِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ وَيَكْتُبُ.

وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمَّةِ أَيِ الَّذِي حَالُهُ حَالُ مُعْظَمِ الْأُمَّةِ، أَيِ الْأُمَّةِ الْمَعْهُودَةِ عِنْدَهُمْ وَهِيَ الْعَرَبِيَّةُ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَعْرِفُ مِنْهُمُ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ إِلَّا النَّادِرُ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ يَصِفُهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ بِالْأُمِّيِّينَ، لِمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) فِي (آلِ عِمْرَانَ) [75] .

وَالْأُمِّيَّةُ وَصْفٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ مِنْ رسله مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِتْمَامًا لِلْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ الْعَقْلِيِّ الَّذِي أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، فَجَعَلَ الْأُمِّيَّةَ وَصْفًا ذَاتِيًّا لَهُ، لِيُتِمَّ بِهَا وَصْفَهُ الذَّاتِيَّ وَهُوَ الرِّسَالَةُ، لِيُظْهِرَ أَنَّ كَمَالَهُ النَّفْسَانِيَّ كَمَالٌ لَدُنِّيٌّ إِلَهِيٌّ، لَا وَاسِطَةَ فِيهِ لِلْأَسْبَابِ الْمُتَعَارَفَةِ لِلْكِمَالَاتِ، وَبِذَلِكَ كَانَتِ الْأُمِّيَّةُ وَصْفَ كَمَالِ فِيهِ، مَعَ أَنَّهَا فِي غَيْرِهِ وَصْفُ نُقْصَانٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَسَدَادِ الْعَقْلِ مَا لَا يَحْتِمَلُ الْخَطَأَ فِي كُلِّ نَوَاحِي مَعْرِفَةِ الْكِمَالَاتِ الْحَقِّ، وَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ عِلْمِهِ، وَبَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، مَا هُوَ أَعْظُمُ مِمَّا حَصَلَ لِلْمُتَعَلِّمِينَ، صَارَتْ أُمِّيَّتُهُ آيَةً عَلَى كَوْنِ مَا حَصَلَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ فَيُوضَاتٍ إِلَهِيَّةٍ.

وَمَعْنَى: يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا وِجْدَانُ صِفَاتِهِ وَنُعُوتِهِ، الَّتِي لَا يُشْبِهُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، فَجُعِلَتْ خَاصَّتُهُ بِمَنْزِلَةِ ذَاتِهِ.

وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا ضمير الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّيِّ مَجَازًا بِالِاسْتِخْدَامِ، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ نَعْتُهُ وَوَصْفُهُ، وَالْقَرِينَةُ قَوْلُهُ: (مَكْتُوبًا) فَإِنَّ الذَّاتَ لَا تُكْتَبُ، وَعُدِلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالْوَصْفِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ يَجِدُونَ وَصْفًا لَا يَقْبَلُ الِالْتِبَاسَ، وَهُوَ: كَوْنُهُ أُمِّيًّا، وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ الطَّيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ الْخَبَائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، وَشَدَّةَ شَرِيعَتِهِمْ.

وَذُكِرَ الْإِنْجِيلُ هُنَا لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ آمَنَ بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ مُوسَى بِهَذَا.

وَالْمَكْتُوبُ فِي التَّوْرَاةِ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، وَالْمَكْتُوبُ فِي الْإِنْجِيلِ بِشَارَاتٌ جمة بِمُحَمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي بَعْضِهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ بِعْثَةً عَامَّةً، فَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ «وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيَضِلُّونَ كَثِيرُونَ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى (أَيْ يَدُومُ شَرْعُهُ إِلَى نِهَايَةِ الْعَالَمِ) فَهَذَا يَخْلُصُ وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هَذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى» (أَيْ مُنْتَهَى الدُّنْيَا) .

وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ «وَأَمَّا الْمُعَزَّى الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الْأَبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (وَمَعْنَى بِاسْمِي أَيْ بِمُمَاثَلَتِي وَهُوَ كَوْنُهُ رَسُولًا مُشَرِّعًا لَا نبيّا موكدا) .

(يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ)

وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ، وَالطَّيِّبَاتِ، وَالْخَبَائِثَ، وَالْإِصْرَ وَالْأَغْلَالَ مُتَعَلِّقَاتٍ لِتَشْرِيعِ النَّبِيءِ الْأُمِّيِّ وَعَلَامَاتٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا مَا يَتَبَادَرُ مِنْ مَعَانِي أَلْفَاظِهَا لِلْأَفْهَامِ الْمُسْتَقِيمَةِ.

فَالْمَعْرُوفُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ وَالْفِطَرُ السَّلِيمَةُ، وَالْمُنْكَرُ ضِدُّهُ.

وَيَجْمَعُهَا مَعْنَى: الْفِطْرَةِ، الَّتِي هِيَ قِوَامُ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) [الرّوم: 30] ، وَهَذِهِ أَوْضَحُ عَلَامَةٍ لِتَعَرُّفِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.

وَالطَّيِّبَاتُ: جَمْعُ طَيِّبَةٍ، وَقَدْ رُوعِيَ فِي التَّأْنِيثِ مَعْنَى الْأَكِيلَةِ، أَوْ مَعْنَى الطُّعْمَةِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الطَّيِّبَاتُ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي نَظَائِرِهَا نَحْوَ: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا) فِي (الْبَقَرَة) [168] وَقَوله: (يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) فِي (سُورَةِ الْمَائِدَةِ) [4] ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَفْعَالَ الْحَسَنَةَ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ عُرِّفَتْ بِوَصْفِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ.

وَالْمَأْكُولَاتُ لَا تَدْخُلُ فِي الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ حَظٌّ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَقْبُولِهَا وَمَرْفُوضِهَا، وَإِنَمَا تَمْتَلِكُ النَّاسَ فِيهَا عَوَائِدُهُمْ، وَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ دِينَ الْفِطْرَةِ وَلَا اعْتِدَادَ بِالْعَوَائِدِ فِيهِ، نَاطَ حَالَ الْمَأْكُولَاتِ بِالطَّيِّبِ وَحُرْمَتَهَا بِالْخُبْثِ، فَالطَّيِّبُ مَا لَا ضُرَّ فِيهِ وَلَا وَخَامَةَ وَلَا قَذَارَةَ، وَالْخَبِيثُ مَا أَضَرَّ، أَوْ كَانَ وَخِيمَ الْعَاقِبَةِ، أَوْ كَانَ مُسْتَقْذَرًا لَا يَقْبَلُهُ الْعُقَلَاءُ، كَالنَّجَاسَةِ، وَهَذَا مِلَاكُ الْمُبَاحِ وَالْمُحَرَّمِ مِنَ الْمَآكِلِ، فَلَا تَدْخُلُ الْعَادَاتُ إِلَّا فِي اخْتِيَارِ أَهْلِهَا مَا شَاءُوا مِنَ الْمُبَاحِ، فَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَأْكُلُ الضَّبَّ، وَقَدْ وُضِعَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: «مَا هُوَ بِحَرَامٍ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» .

وَوَضْعُ الْإِصْرِ إِبْطَالُ تَشْرِيعِهِ، أَيْ بِنَسْخِ مَا كَانَ فِيهِ شِدَّةٌ مِنَ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ السَّابِقَةِ، وَحَقِيقَةُ الْوَضْعِ الْحَطُّ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي إِبْطَالِ التَّكْلِيفِ بِالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ.

وَ «الْإِصْرُ» ظَاهِرُ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي «الْكَشَّاف» و «الأساس» إِنَّه حَقِيقَة فِي الثِّقَلِ، (بِكَسْرِ الثَّاءِ) الْحِسِّيِّ بِحَيْثُ يَصْعُبُ مَعَهُ التَّحَرُّكُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ دَوَاوِينِ اللُّغَةِ، وَهَذَا الْقَيْدُ مِنْ تَحْقِيقَاتِهِ.

وَقَدْ كَانَتْ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ مُشْتَمِلَةً عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ شَاقَّةٍ مِثْلِ الْعُقُوبَةِ بِالْقَتْلِ عَلَى مَعَاصٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا الْعَمَلُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَمِثْلُ تَحْرِيمِ مَأْكُولَاتٍ كَثِيرَةٍ طَيِّبَةٍ وَتَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ فِي أُمُورٍ هَيِّنَةٍ، كَالْعَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَأَشَدُّ مَا فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِصْرِ أَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا اسْتِتَابَةُ الْمُجْرِمِ.

وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ، (آصَارَهُمْ) بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ وَالْإِفْرَادُ فِي الْأَجْنَاسِ سَوَاءٌ.

والْأَغْلالَ جَمْعُ غُلٍّ - بِضَمِّ الْغَيْنِ - وَهُوَ إِطَارٌ مِنْ حَدِيدٍ يُجْعَلُ فِي رَقَبَةِ الْأَسِيرِ وَالْجَانِي وَيُمْسَكُ بِسَيْرٍ مِنْ جِلْدٍ، أَوْ سِلْسِلَةٍ مِنْ حَدِيدٍ بِيَدِ الْمُوَكَّلِ بِحِرَاسَةِ الْأَسِيرِ، قَالَ تَعَالَى: (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ) [غَافِر: 71] وَيُسْتَعَارُ الْغُلُّ لِلتَّكْلِيفِ وَالْعَمَلِ الَّذِي يُؤْلِمُ وَلَا يُطَاقُ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ، فَإِنْ بَنَيْنَا عَلَى كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ كَانَ الْأَغْلالَ تَمْثِيلِيَّةً بِتَشْبِيهِ حَالِ الْمُحَرَّرِ مِنَ الذُّلِّ وَالْإِهَانَةِ بِحَالِ مَنْ أُطْلِقَ مِنَ الْأَسْرِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ وَضْعَ الْأَغْلَالِ اسْتِعَارَةٌ لِمَا يُعَانِيهِ الْيَهُودُ مِنَ الْمَذَلَّةِ بَيْنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ نَزَلُوا فِي دِيَارِهِمْ بَعْدَ تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَزَوَالِ مُلْكِ يَهُوذَا، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ بِتَسْوِيَةِ أَتْبَاعِهِ فِي حُقُوقِهِمْ فِي الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ مَيْزٌ بَيْنَ أَصِيلٍ وَدَخِيلٍ، وَصَمِيمٍ وَلَصِيقٍ، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُنَاسَبَةُ اسْتِعَارَةِ الْأَغْلَالِ لِلذِّلَّةِ أَوْضَحُ، لِأَنَّ الْأَغْلَالَ مِنْ شِعَارِ الْإِذْلَالِ فِي الْأَسْرِ وَالْقَوَدِ وَنَحْوِهِمَا.

وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ لَهُمَا مَزِيدُ اخْتِصَاصٍ بِالْيَهُودِ، الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ فِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى، وَلَا يَتَحَقَّقَانِ فِي غَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمن بِمُحَمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْيَهُودَ قَدْ كَانَ لَهُمْ شَرْعٌ، وَكَانَ فِيهِ تَكَالِيفُ شَاقَّةٌ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْيَهُودِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ أَضَافَ اللَّهُ الْإِصْرَ إِلَى ضَمِيرِهِمْ، وَوَصَفَ الْأَغْلَالَ بِمَا فِيهِ ضَمِيرُهُمْ، عَلَى أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي حَالِ الْأُمَمِ كُلِّهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا تَجِدُ شَرَائِعَهُمْ وَقَوَانِينَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ خَالِيَةً مِنْ إِصْرٍ عَلَيْهِمْ، مِثْلِ تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّبَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِثْلِ تَكَالِيفَ شَاقَّةٍ عِنْدَ النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ لَا تَتَلَاقَى مَعَ السَّمَاحَةِ الْفِطْرِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَا تَجِدُهَا خَالِيَةً مِنْ رَهَقِ الْجَبَابِرَةِ، وَإِذْلَالِ الرُّؤَسَاءِ، وَشِدَّةِ الْأَقْوِيَاءِ عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَمَا كَانَ يَحْدُثُ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّقَاتُلِ وَالْغَارَاتِ، وَالتَّكَايُلِ فِي الدِّمَاءِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، فَأَرْسَلَ الله مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِينٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُخَلِّصَ الْبَشَرَ مِنْ تِلْكَ الشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الْأَنْبِيَاء: 107]

وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ) فَاءُ الْفَصِيحَةِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا كَانَ هَذَا النَّبِيءُ كَمَا عَلِمْتُمْ مِنْ شَهَادَةِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بنبوءته، وَمِنَ اتِّصَافِ شَرْعِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي سَمِعْتُمْ، عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا هَدْيَهُ، هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ وَمِنْ ضَمِيرِ الْفَصْلِ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ هُمُ الَّذِينَ أَفْلَحُوا أَيْ دُونَ مَنْ كَفَرَ بِهِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، لِأَنَّ مَقَامَ دُعَاءِ مُوسَى يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَكِتَابَةَ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ، وَلَا يُرِيدُ مُوسَى شُمُولَ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَتَّبِعُ الْإِسْلَامَ بَعْدَ مَجِيء مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ جَرَى الْقَصْرُ عَلَى مَعْنَى الِاحْتِرَاسِ مِنَ الْإِيهَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَصْرُ ادِّعَائِيًّا، دَالًّا عَلَى مَعْنَى كَمَالِ صِفَةِ الْفَلَاحِ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ النَّبِيءَ الْأُمِّيَّ، فَفَلَاحُ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُفْلِحِينَ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ كَلَا فَلَاحٍ، إِذَا نُسِبَ إِلَى فَلَاحِهِمْ، أَيْ أَنَّ الْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ أَفْضَلُ الْأُمَمِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُمُ الَّذِينَ تَنَالُهُمُ الرَّحْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي تَسَعُ كُلَّ شَيْء من شئونهم قَالَ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الْأَنْبِيَاء: 107] .

وَمَعْنَى (عَزَّرُوهُ) أَيَّدُوهُ وَقَوَّوْهُ، وَذَلِكَ بِإِظْهَارِ مَا تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمْ مِنَ الْبِشَارَةِ بِصِفَاتِهِ، وَصِفَاتِ شَرِيعَتِهِ، وَإِعْلَانِ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَكَقَوْلِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: «هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى» ، وَهُوَ أَيْضًا مُغَايِرٌ لِلنَّصْرِ، لِأَنَّ النَّصْرَ هُوَ الْإِعَانَةُ فِي الْحَرْبِ بِالسِّلَاحِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ (وَنَصَرُوهُ) .

وَاتِّبَاعُ النُّورِ تَمْثِيلٌ لِلِاقْتِدَاءِ بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ: شُبِّهَ حَالُ الْمُقْتَدِي بِهَدْيِ الْقُرْآنِ، بِحَالِ السَّارِي فِي اللَّيْلِ إِذَا رَأَى نُورًا يَلُوحُ لَهُ اتَّبَعَهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ مَنْجَاةً مِنَ الْمَخَاوِفِ وَأَضْرَارِ السَّيْرِ، وَأَجْزَاءُ هَذَا التَّمْثِيلِ اسْتِعَارَاتٌ، فَالِاتِّبَاعُ يَصْلُحُ مُسْتَعَارًا لِلِاقْتِدَاءِ، وَهُوَ مَجَازٌ شَائِعٌ فِيهِ، وَالنُّورُ يَصْلُحُ مُسْتَعَارًا لِلْقُرْآنِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُعَلِّمُ الْحَقَّ وَالرُّشْدَ يُشَبَّهُ بِالنُّورِ، وَأَحْسَنُ التَّمْثِيلِ مَا كَانَ صَالِحًا لِاعْتِبَارِ التَّشْبِيهَاتِ الْمُفْرَدَةِ فِي أَجْزَائِهِ.

وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: (أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ، وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ صَارُوا أَحْرِيَاءَ بِمَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْهُمْ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ كَقَوْلِهِ: (أُولئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) [الْبَقَرَة: 5] .

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَنْوِيهٌ بِعَظِيمِ فَضْلِ أَصْحَاب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَيُلْحَقُ بِهِمْ مَنْ نَصَرَ دينه بعدهمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت