(قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(114) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (115)
وَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً) اشْتَمَلَ عَلَى نِدَاءَيْنِ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ: (رَبَّنا) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ النِّدَاءِ.
كَرَّرَ النِّدَاءَ مُبَالَغَةً فِي الضَّرَاعَةِ.
وَجَمَعَ عِيسَى بَيْنَ النِّدَاءِ بِاسْمِ الذَّاتِ الْجَامِعِ لِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَبَيْنَ النِّدَاءِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ وَلِلْحَوَارِيِّينَ اسْتِعْطَافًا لِلَّهِ لِيُجِيبَ دُعَاءَهُمْ.
وَمَعْنَى (تَكُونُ لَنا عِيدًا) أَيْ يَكُونُ تَذَكُّرُ نُزُولِهَا بِأَنْ يَجْعَلُوا الْيَوْمَ الْمُوَافِقَ يَوْمَ نُزُولِهَا مِنْ كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا، فَإِسْنَادُ الْكَوْنِ عِيدًا لِلْمَائِدَةِ إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ، وَإِنَّمَا الْعِيدُ الْيَوْمُ الْمُوَافِقُ لِيَوْمِ نُزُولِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ: لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا، أَيْ لِأَوَّلِ أُمَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ وَآخِرِهَا، وَهُمُ الَّذِينَ خُتِمَتْ بِهِمُ النَّصْرَانِيَّةُ عِنْدَ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
وَالْعِيدُ اسْمٌ لِيَوْمٍ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ، ذِكْرَى لِنِعْمَةٍ أَوْ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ فِيهِ لِلشُّكْرِ أَوْ لِلِاعْتِبَارِ.
وَجُمْلَةُ (قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها) جَوَابُ دُعَاءِ عِيسَى، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَةِ.
وأكّد الْخَبَر بـ (إنَّ) تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ.
وَالْمَعْنَى إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمُ الْآنَ، فَهُوَ اسْتِجَابَةٌ وَلَيْسَ بِوَعْدٍ.
وَقَوْلُهُ: (فَمَنْ يَكْفُرْ) تَحْذِيرٌ لَهُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ إِعْلَامًا بِأَهَمِّيَّةِ الْإِيمَانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَجُعِلَ جَزَاءُ إِجَابَتِهِ إِيَّاهُمْ أَنْ لَا يَعُودُوا إِلَى الْكُفْرِ فَإِنْ عَادُوا عُذِّبُوا عَذَابًا أَشَدَّ مِنْ عَذَابِ سَائِرِ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ تَعَاضَدَ لَدَيْهِمْ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ عُذْرٌ.
وَقَدْ وَقَفَتْ قِصَّةُ سُؤَالِ الْمَائِدَةِ عِنْدَ هَذَا الْمِقْدَارِ وَطُوِيَ خَبَرُ مَاذَا حَدَثَ بَعْدَ نُزُولِهَا لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْقِصَّةِ، وَهُوَ الْعِبْرَةُ بِحَالِ إِيمَانِ الْحَوَارِيِّينَ وَتَعَلُّقِهِمْ بِمَا يَزِيدُهُمْ يَقِينًا، وَبِقُرْبِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ وَتَحْصِيلِ مَرْتَبَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ، وَعَلَى ضَرَاعَةِ الْمَسِيحِ الدَّالَّةِ عَلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَعَلَى كَرَامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ إِذْ أَجَابَ دَعْوَتَهُ، وَعَلَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُ مَا حَوَتْهُ الْمَائِدَةُ وَمَا دَارَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ نُزُولِهَا فَلَا عِبْرَةَ فِيهِ.
وَقَدْ أَكْثَرَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ بِأَخْبَارٍ وَاهِيَةِ الْأَسَانِيدِ سِوَى مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي أَبْوَابِ التَّفْسِيرِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ بِسَنَدِهِ إِلَى عمّار بن يسَار قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلَحْمًا» الْحَدِيثَ.
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي أَنَّ الْمَائِدَةَ هَلْ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ لَمْ تَنْزِلْ.
فَعَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ) الْآيَةَ خَافُوا فَاسْتَعَفُّوا مِنْ طَلَبِ نُزُولِهَا فَلَمْ تَنْزِلْ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: نَزَلَتْ.
وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ) وَعْدٌ لَا يُخْلَفُ، وَلَيْسَ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ وَلَكِنَّهُ مُعَقَّبٌ بِتَحْذِيرٍ مِنَ الْكُفْرِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ أَثَرُهُ عِنْدَ الْحَوَارِيِّينَ وَلَيْسُوا مِمَّنْ يَخْشَى الْعَوْدَ إِلَى الْكُفْرِ سَوَاءً نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ أَمْ لَمْ تَنْزِلْ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَا يَعْرِفُونَ خَبَرَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ مِنَ السَّمَاءِ، وَكَمْ مِنْ خَبَرٍ أَهْمَلُوهُ فِي الأناجيل.