(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ(29) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)
قَوْلُهُ: (أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) كَلَامٌ جَامِعٌ لِإِبْطَالِ كُلِّ مَا يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْقِسْطِ.
وَمَعْنَى: (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) عِنْدَ كُلِّ مَكَانٍ مُتَّخَذٍ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْمُ الْمَسْجِدِ مَنْقُولٌ فِي الْإِسْلَامِ لِلْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ الْمَحْدُودِ الْمُتَّخَذِ لِلصَّلَاةِ
وَالدُّعَاءُ فِي قَوْلِهِ: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ أَيِ اعْبُدُوهُ كَقَوْلِهِ: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الْأَعْرَاف: 194] .
وَالْإِخْلَاصُ تَمْحِيضُ الشَّيْءِ مِنْ مُخَالَطَةِ غَيْرِهِ.
وَالدِّينُ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ دِنْتُ لِفُلَانٍ أَيْ أَطَعْتُهُ.
وَمِنْهُ سُمِّيَ اللَّهُ تَعَالَى: (الدَّيَّانُ) أَيِ الْقَهَّارُ الْمُذَلِّلُ الْمُطَوِّعُ لِسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ.
(كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)
الْكَافُ فِي قَوْلِهِ: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) لِتَشْبِيهِ عَوْدِ خَلْقِهِمْ بِبَدْئِهِ وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ: تَعُودُونَ عَوْدًا جَدِيدًا كَبَدْئِهِ إِيَّاكُمْ، فَقُدِّمَ الْمُتَعَلِّقُ، الدَّالُّ عَلَى التَّشْبِيهِ، عَلَى فِعْلِهِ، وَهُوَ تَعُودُونَ، لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْآيَةُ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ بِمَعَانٍ هِيَ بَعِيدَةٌ عَنْ سِيَاقِهَا وَنَظْمِهَا.
وَتَقْدِيمُ (فَرِيقًا) الْأَوَّلِ والثّاني على عامليها لِلِاهْتِمَامِ بِالتَّفْصِيلِ.
وَمَعْنَى: (حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) ثَبَتَتْ لَهُمُ الضَّلَالَةُ وَلَزِمُوهَا.
وَلَمْ يُقْلِعُوا عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ كَانُوا مُشْرِكِينَ كُلَّهُمْ، فَلَمَّا أُمِرُوا بِأَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ افْتَرَقُوا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَفَرِيقًا لَازَمَ الشِّرْكَ وَالضَّلَالَةَ، فَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِمْ حَالٌ جَدِيدٌ.
وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ لَفْظِ: (حَقَّ) هُنَا دُونَ أَنْ يُقَالَ أَضَلَّهُ اللَّهُ، لِأَنَّ ضَلَالَهُمْ قَدِيمٌ مُسْتَمِرٌّ اكْتَسَبُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَظِيرِهِ: (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) [النَّحْل: 36] - ثُمَّ قَالَ - (إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) [النَّحْل: 37] ،
فَلَيْسَ تَغْيِيرُ الْأُسْلُوبِ بَيْنَ: (فَرِيقًا هَدى) وَبَيْنَ (وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) تَحَاشِيًا عَنْ إِسْنَادِ الْإِضْلَالِ إِلَى اللَّهِ، كَمَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» ، لِأَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَ الْإِضْلَالَ إِلَى اللَّهِ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا عُلِمَتْ وَفِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَكِنَّ اخْتِلَافَ الْأُسْلُوبِ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ.
وَجُرِّدَ فِعْلُ (حَقَّ) عَنْ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، وَقَدْ أُظْهِرَتْ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ فِي نَظِيرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) [النَّحْل: 36] .
وَعَطَفَ جُمْلَةَ: (وَيَحْسَبُونَ) عَلَى جُمْلَةِ: (اتَّخَذُوا) فَكَانَ ضَلَالُهُمْ ضَلَالًا مُرَكَّبًا، إِذْ هُمْ قَدْ ضَلُّوا فِي الائتمار بِأَمْر أئمّة الْكفْر وأولياء الشَّيَاطِينِ، وَلَمَّا سَمِعُوا دَاعِيَ الْهُدَى لَمْ يَتَفَكَّرُوا، وَأَهْمَلُوا النَّظَرَ، لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمْ شَكٌّ فِي أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَخْطُرْ بِبَالِهِمُ الْحَاجَةُ إِلَى النَّظَرِ فِي صدق الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْحُسْبَانُ الظَّنُّ، وَهُوَ هُنَا ظَنٌّ مُجَرَّدٌ عَنْ دَلِيلٍ، وَذَلِكَ أَغْلَبُ مَا يُرَادُ بِالظَّنِّ وَمَا يُرَادِفُهُ فِي الْقُرْآنِ.
وَعَطْفُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا، وَاعْتِبَارُهُمَا سَوَاءً فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْفَرِيقِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ، لِقَصْدِ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ضَلَالَهُمْ حَاصِلٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَبَرَيْنِ، فَوِلَايَةُ الشَّيَاطِينِ ضَلَالَةٌ، وَحُسْبَانُهُمْ ضَلَالَهُمْ هُدًى ضَلَالَةٌ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ خَطَأٍ أَوْ عَنْ عِنَادٍ، إِذْ لَا عُذْرَ لِلضَّالِّ فِي ضَلَالِهِ بِالْخَطَأِ، لِأَنَّ اللَّهَ نَصَبَ الْأَدِلَّةَ عَلَى الْحَقِّ وَعَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحقّ وَالْبَاطِل.