(لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)
الْهُدَى هُنَا بِمَعْنَى الْإِلْجَاءِ لِحُصُولِ الْهُدَى فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَمَّا الْهُدَى بِمَعْنَى التَّبْلِيغِ وَالْإِرْشَادِ فَهُوَ عَلَى النَّبِيءِ، وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) جِيءَ فِيهِ بِحَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ لِمَا فِي الْكَلَامِ الْمَنْفِيِّ مِنْ تَوَهُّمِ إِمْكَانِ هَدْيِهِمْ بِالْحِرْصِ أَوْ بِالْإِلْجَاءِ، فَمَصَبُّ الِاسْتِدْرَاكِ هُوَ الصِّلَةُ، أَعْنِي مَنْ يَشاءُ أَيْ فَلَا فَائِدَةَ فِي إِلْجَاءِ مَنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ هَدْيَهُ.
وَالتَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ هُدَاهُمْ بِيَدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ هَدَاهُمْ.
وَقَوْلُهُ: (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) عَطْفٌ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا لِبَيَانِ أَنَّ جَزَاءَ النَّفَقَاتِ بِمِقْدَارِهَا وَأَنَّ مَنْ نُقِصَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ فَهُوَ السَّاعِي فِي نَقْصِهِ.
وَكَرَّرَ فِعْلَ (تُنْفِقُونَ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْآيَةِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِمَدْلُولِهِ وَجِيءَ بِهِ مَرَّتَيْنِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ عِنْدَ قَصْدِ بَيَانِ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ الْإِنْفَاقِ وَالثَّوَابِ، وَجِيءَ بِهِ مَرَّةً فِي صِيغَةِ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْخَبَرَ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ، أَيِ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يُنْفِقُوا إِلَّا لِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ.
وَتَقْدِيم (وَأَنْتُمْ) عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ لِمُجَرَّدِ التَّقَوِّي وَزِيَادَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَإِنَّمَا يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ.
وَإِنَّمَا جُعِلَتْ هَاتِهِ الْأَحْكَامُ جُمَلًا مُسْتَقِلًّا بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَلَمْ تُجْعَلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً مُقَيَّدَةً فَائِدَتُهَا بِقُيُودِ جَمِيعِ الْجُمَلِ وَأُعِيدَ لَفْظُ الْإِنْفَاقِ فِي جَمِيعِهَا بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ تَكْرِيرًا لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ، لِتَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِمَعْنَاهَا قَصِيرَةَ الْأَلْفَاظِ كَثِيرَةَ الْمَعَانِي، فَتَجْرِي مَجْرَى الْأَمْثَالِ، وَتَتَنَاقَلُهَا الْأَجْيَالُ.
وَقَدْ أُخِذَ مِنَ الْآيَاتِ الْأَخِيرَةِ - عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ - جَوَازُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَالْمرَاد الكفّار الَّذِي يَخْتَلِطُونَ بِالْمُسْلِمِينَ غَيْرَ مُؤْذِينَ لَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْعَهْدِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْجِيرَانُ.
وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى جَوَازِ إِعْطَاءِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِلْكَافِرِينَ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ إِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْكَافِرُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَنَحْنُ قَدْ أُمِرْنَا بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْحَيَوَانِ،
فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا.
فَقَالَ: «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ - أَعْنِي الزَّكَاةَ - لَا تُعْطَى لِلْكُفَّارِ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهَا إِنَّمَا فُرِضَتْ لِإِقَامَةِ أَوَدِ الْمُسْلِمِينَ وَمُوَاسَاتِهِمْ، فَهِيَ مَالُ الْجَمَاعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ يُؤْخَذُ بِمَقَادِيرَ مُعَيَّنَةٍ، فَفِيهِ غِنَى الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا يُعْطِيهِ الْمَرْءُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لِأَجْلِ الرَّأْفَةِ وَالشَّفَقَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَالْجُمْهُورُ أَلْحَقُوهَا بِالصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَلْحَقَهَا بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَأَجَازَ إعطاءها إِلَى الْكَافِر.
وَلَوْ قِيلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ زَكَاةِ الْفِطْرِ كَانَ أَشْبَهَ، فَإِنَّ الْعِيدَ عِيدُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّهُ رَآهَا صَدَقَةَ شُكْرٍ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الصِّيَامِ، فَكَانَ الْمَنْظُورُ فِيهَا حَالَ الْمُتَصَدِّقِ لَا حَالَ المتصدّق عَلَيْهِ.
وَقَوله الْجُمْهُورِ أَصَحُّ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا لِكِفَايَةِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فِي يَوْمِ عِيدِهِمْ وَلِيَكُونُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْسَعَ حَالًا مِنْهُمْ فِي سَائِرِ الْمُدَّةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا تَظْهَرُ حِكْمَتُهُ فِي فُقَرَاء الْكَافرين.