(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)
هَذَا تَكْرِيرٌ آخَرُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [يُونُس: 34] .
وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِنُقْصَانِ آلِهَتِهِمْ عَنِ الْإِرْشَادِ إِلَى الْكَمَالِ النَّفْسَانِيِّ بِنَشْرِ الْحَقِّ، وَبِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْهَادِي إِلَى الْكَمَالِ وَالْحَقِّ، وَمَجْمُوعُ الْجُمْلَتَيْنِ مُفِيدٌ قَصْرَ صِفَةِ الْهِدَايَةِ إِلَى الْحَقِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى دُونَ آلِهَتِهِمْ قَصْرَ إِفْرَادٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِهِ آنِفًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنَّةَ الْهِدَايَةِ إِلَى الْحَقِّ أَعْظَمُ الْمِنَنِ لِأَنَّ بِهَا صَلَاحَ الْمُجْتَمِعِ وَسَلَامَةَ أَفْرَادِهِ مِنِ اعْتِدَاءِ قَوِيِّهِمْ عَلَى ضَعِيفِهِمْ، وَلَوْلَا الْهِدَايَةُ لَكَانَتْ نِعْمَةُ الإيجاد مختلة فِي مُضْمَحِلَّةً.
وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ الدِّينُ، وَهُوَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَأُصُولُهُ وَهِيَ الِاعْتِقَادُ الصَّحِيحُ.
وَقَوْلُهُ: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) إِلَى آخِرِهِ تَفْرِيعُ اسْتِفْهَامٍ تَقْرِيرِيٍّ عَلَى مَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَتَانِ السَّابِقَتَانِ مِنْ قَصْرِ الْهِدَايَةِ إِلَى الْحَقِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى دُونَ آلِهَتِهِمْ.
وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ أَهْلُ الْعُقُولِ بِأَنَّ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ يُوصِلُ إِلَى الْكَمَالِ الرُّوحَانِيِّ وَهُوَ الْكَمَالُ الْبَاقِي إِلَى الْأَبَدِ وَهُوَ الْكَوْنُ الْمَصُونُ عَنِ الْفَسَادِ فَإِنَّ خَلْقَ الْأَجْسَادِ مَقْصُودٌ لِأَجْلِ الْأَرْوَاحِ، وَالْأَرْوَاحُ مُرَادٌ مِنْهَا الِاهْتِدَاءُ، فَالْمَقْصُودُ الْأَعْلَى هُوَ الْهِدَايَةُ.
وَإِذْ قَدْ كَانَتِ الْعُقُولُ عُرْضَةً لِلِاضْطِرَابِ وَالْخَطَأِ احْتَاجَتِ النُّفُوسُ إِلَى هَدْيٍ يُتَلَقَّى مِنَ الْجَانِبِ الْمَعْصُومِ عَنِ الْخَطَأِ وَهُوَ جَانِبُ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِذَلِكَ كَانَ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ لِأَنَّهُ مُصْلِحُ النُّفُوسِ وَمُصْلِحُ نِظَامِ الْعَالَمِ الْبِشْرِيِّ، فَاتِّبَاعُهُ وَاجِبٌ عَقْلًا وَاتِّبَاعُ غَيْرِهِ لَا مُصَحِّحَ لَهُ، إِذْ لَا غَايَةَ تُرْجَى مِنِ اتِّبَاعِهِ.
وَأَفْعَالُ الْعُقَلَاءِ تُصَانُ عَنِ الْعَبَثِ.
وَقَوْلُهُ: (أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى) أَيِ الَّذِي لَا يَهْتَدِي فَضْلًا عَنْ أَنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ، أَيْ لَا يَقْبَلُ الْهِدَايَةَ فَكَيْفَ يَهْدِي غَيْرَهُ فَلَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُتَّبَعَ.
وَالْمُرَادُ بِـ (مَنْ لَا يَهِدِّي) الْأَصْنَامُ فَإِنَّهَا لَا تَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ - (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) [مَرْيَم: 42] .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: (أَمَّنْ لَا يَهِدِّي) فَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ - عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ يَهْتَدِي، أُبْدِلَتِ التَّاءُ دَالًا لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا وَأُدْغِمَتْ فِي الدَّالِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْهَاءِ السَّاكِنَةِ (وَلَا أَهَمِّيَّةَ إِلَى قِرَاءَةِ قَالُونَ عَنْ نَافِعٍ إِلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو بِجَعْلِ فَتْحِ الْهَاءِ مُخْتَلَسًا بَيْنَ الْفَتْحِ وَالسُّكُونِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْأَدَاءِ فَلَا يُعَدُّ خِلَافًا فِي الْقِرَاءَةِ) .
وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَيَعْقُوبُ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ - عَلَى اعْتِبَارِ طَرْحِ حَرَكَةِ التَّاءِ الْمُدْغَمَةِ وَاخْتِلَافِ كَسْرَةٍ عَلَى الْهَاءِ عَلَى أَصْلِ التَّخَلُّصِ مِنِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِم - بِكَسْر الْبَاء وَكَسْرِ الْهَاءِ - بِإِتْبَاعِ كَسْرَةِ الْيَاءِ لِكَسْرَةِ الْهَاءِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ - عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعُ هَدَى الْقَاصِرِ بِمَعْنَى اهْتَدَى، كَمَا يُقَالُ: شَرَى بِمَعْنَى اشْتَرَى.
وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يُهْدى) تَهَكُّمٌ مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
وَجُمْلَةُ: (فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) تَفْرِيعُ اسْتِفْهَامٍ تَعْجِيبِيٍّ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي بِحَالٍ.
وَاتِّبَاعُهُمْ هُوَ عِبَادَتهم إيَّاهُم.
وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكُمْ فَاتَّبَعْتُمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ نَقْلًا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.