(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ(20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يَامُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22)
وَقَوْلُهُ: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) هُوَ الْغَرَضُ مِنِ الْخِطَابِ، فَهُوَ كَالْمَقْصِدِ بَعْدَ الْمُقَدِّمَةِ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ اللَّفْظَ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ مَقَالَتَهُ وَهُوَ النِّدَاءُ بِـ (يَا قَوْمِ) لِزِيَادَةِ اسْتِحْضَارِ أَذْهَانِهِمْ.
وَالْأَمْرُ بِالدُّخُولِ أَمْرٌ بِالسَّعْيِ فِي أَسبَابه، أَي تهيّأوا لِلدُّخُولِ.
وَالْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ بِمَعْنَى الْمُطَهَّرَةِ الْمُبَارَكَةِ، أَيِ الَّتِي بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، أَوْ لِأَنَّهَا قُدِّسَتْ بِدَفْنِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَوَّلِ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا وَهِيَ حَبْرُونُ.
وَهِيَ هُنَا أَرْضُ كَنْعَانَ مِنْ بَرِّيَّةِ (صِينَ) إِلَى مَدْخَلِ (حَمَاةَ وَإِلَى حَبْرُونَ) .
وَهَذِهِ الْأَرْضُ هِيَ أَرْضُ فِلَسْطِينَ، وَهِيَ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ وَبَيْنَ نَهْرِ الْأُرْدُنِّ وَالْبَحْرِ الْمَيِّتِ فَتَنْتَهِي إِلَى (حَمَاةَ) شَمَالًا وَإِلَى (غَزَّةَ وَحَبْرُونَ) جَنُوبًا.
وَفِي وَصْفِهَا بِـ (الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ) تَحْرِيضٌ عَلَى الْإِقْدَامِ لِدُخُولِهَا.
وَمَعْنَى كَتَبَ اللَّهُ قَضَى وَقَدَّرَ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ كِتَابَةٌ وَلَكِنَّهُ تَعْبِيرٌ مَجَازِيٌّ شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا أَكَّدَهُ الْمُلْتَزِمُ بِهِ كَتَبَهُ.
وَأَرَادُوا بِالْقَوْمِ الْجَبَّارِينَ فِي الْأَرْضِ سُكَّانَهَا الْكَنْعَانِيِّينَ، وَالْعَمَالِقَةَ، وَالْحِثِّيِّينَ، وَالْيَبُوسِيِّينَ، وَالْأَمُورِيِّينَ.
وَالْجَبَّارُ: الْقَوِيُّ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَبْرِ، وَهُوَ الْإِلْزَامُ لِأَنَّ الْقَوِيَّ يَجْبُرُ النَّاسَ عَلَى مَا يُرِيدُ.