فهرس الكتاب

الصفحة 4023 من 4110

[سُورَة يُونُس(10): آيَة 37]

(وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ(37)

وَهَذَا الْكَلَامُ مَسُوقٌ لِلتَّحَدِّي بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ، وَهِي مفيدة للْمُبَالَغَة فِي نَفْيِ أَنْ يَكُونَ مُفْتَرًى مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، أَيْ مَنْسُوبًا إِلَى اللَّهِ كَذِبًا وَهُوَ آتٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: (مَا كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى) أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يُقَالَ: مَا هُوَ بِمُفْتَرًى، لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الْكَوْنِ مِنَ الْوُجُودِ، أَيْ مَا وُجِدَ أَنْ يُفْتَرَى، أَيْ وُجُودُهُ مُنَافٍ لِافْتِرَائِهِ، فَدَلَالَةُ ذَاتِهِ كَافِيَةٌ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مُفْتَرًى، أَيْ لَوْ تَأَمَّلَ الْمُتَأَمِّلُ الْفَطِنُ تَأَمُّلًا صَادِقًا فِي سُوَرِ الْقُرْآنِ لَعَلِمَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَضْعِ الْبَشَرِ.

وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِلَامِ الْجُحُودِ بِأَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ لِيُفْتَرَى، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ لَامَ الْجُحُودِ تَقَعُ فِي نَفْيِ كَوْنٍ عَنْ فَاعِلٍ لَا عَنْ مَفْعُولٍ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّامُ مِنْ مَعْنَى الْمِلْكِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِـ (أَنْ) وَالْفِعْلِ يُسَاوِي الْإِخْبَارَ بِالْمَصْدَرِ، وَهُوَ أَيْضًا أَقْوَى مُبَالَغَةً مِنْ أَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ مُفْتَرًى، فَحَصَلَتِ الْمُبَالغَة فِي جِهَتَيْنِ: جِهَةِ فِعْلِ (كَانَ) وَجِهَةِ (أَنِ) الْمَصْدَرِيَّةِ.

وَلَمَّا نُفِيَ عَنِ الْقُرْآنِ الِافْتِرَاءُ أُخْبِرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ وَتَفْصِيلٌ، فَجَرَتْ أَخْبَارُهُ كُلُّهَا بِالْمَصْدَرِ تَنْوِيهًا بِبُلُوغِهِ الْغَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي حَتَّى اتَّحَدَ بِأَجْنَاسِهَا.

و (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ السَّالِفَةِ، أَيْ مُبَيِّنًا للصادق مِنْهَا ومييزا لَهُ عَمَّا زِيدَ فِيهَا وَأُسِيءَ مِنْ تَأْوِيلِهَا.

وَأَيْضًا هُوَ مُصَدَّقٌ (بِفَتْحِ الدَّالِ) بِشَهَادَةِ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ فِيمَا أَخَذَتْ مِنَ الْعَهْدِ عَلَى أَصْحَابِهَا أَنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ الَّذِي يَجِيءُ مُصَدِّقًا وَخَاتَمًا.

فَالْوَصْفُ بِالْمَصْدَرِ صَالِحٌ لِلْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَقْتَضِي فَاعِلًا وَمَفْعُولًا.

وَالتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ بِأَنْوَاعِهِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَعْرِيفَ الْكِتابِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ فَيَسْتَغْرِقُ الْكُتُبَ كُلَّهَا.

وَمَعْنَى كَوْنِ الْقُرْآنِ تَفْصِيلًا لَهَا أَنَّهُ مُبَيِّنٌ لِمَا جَاءَ مُجْمَلًا فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ، وَنَاسِخٌ لِمَا لَا مَصْلَحَةَ لِلنَّاسِ فِي دَوَامِ حُكْمِهِ، وَدَافِعٌ لِلْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي ضَلَّ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، فَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى التَّفْصِيلِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) فِي (سُورَةِ الْعُقُودِ) [48] .

وَهَذَا غَيْرُ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) [يُوسُف: 111] فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى.

وَجُمْلَةُ: (لَا رَيْبَ فِيهِ) مُسْتَأْنَفَةٌ رَدَّتْ مَزَاعِمَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ مُفْتَرًى بِاقْتِلَاعِ دَعْوَى افْتِرَائِهِ، وَأَنَّهَا مِمَّا لَا يَرُوجُ عَلَى أَهْلِ الْفِطَنِ وَالْعُقُولِ الْعَادِلَةِ، فَالرَّيْبُ الْمَنْفِيُّ عَنْهُ هُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحْوَالِهِ فِي ذَاتِهِ وَمُقَارَنَاتِهِ مَا يُثِيرُ الرَّيْبَ، وَلِذَلِكَ كَانَ رَيْبُ الْمُرْتَابِينَ فِيهِ رَيْبًا مزعوما مدعى وَهُوَ لَوْ رَاجَعُوا أَنْفُسَهُمْ لَوَجَدُوهَا غَيْرَ مُرْتَابَةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت