فهرس الكتاب
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ(275)
وَالْأَكْلُ فِي الْحَقِيقَةِ ابْتِلَاعُ الطَّعَامِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِالشَّيْءِ وَأَخْذِهِ بِحِرْصٍ، وَأَصْلُهُ تَمْثِيلٌ، ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَقَالُوا: أَكَلَ مَالَ النَّاسِ (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى) [النِّسَاء: 10] - (أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ) [الصافات: 91، 92] ، وَلَا يَخْتَصُّ بِأَخْذِ الْبَاطِلِ فَفِي الْقُرْآنِ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) [النِّسَاء: 4] .
وَأُرِيدَ بِالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا هُنَا مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ وَالتَّشْنِيعَ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا التَّوَجُّهَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِ كُفْرِهِمْ وَهُمْ لَا يَرْعَوُونَ عَنْهَا مَا دَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ.
أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَسَبَقَ لَهُمْ تَشْرِيعٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً) فِي (سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) [130] ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، فَجَعَلَ اللَّهُ هَذَا الْوَعِيدَ مِنْ جُمْلَةِ أَصْنَافِ الْعَذَابِ خَاصًّا لِلْكَافِرِينَ لِأَجْلِ مَا تَفَرَّعَ عَنْ كُفْرِهِمْ مِنْ وَضْعِ الرِّبَا.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنْكَارُ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إِعْطَاءَهُمُ الرِّبَا، وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَعَاهُ الْقُرْآنُ عَلَيْهِمْ فِي مَكَّةَ، فَقَدْ جَاءَ فِي (سُورَةِ الرُّومِ) [39] : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)
وَهُوَ خِطَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَلِأَنَّ بَعْدَ الْآيَةِ قَوْله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ.
وَمِنْ عَادَاتِ الْقُرْآنِ أَنْ يَذْكُرَ أَحْوَالَ الْكُفَّارِ إِغْلَاظًا عَلَيْهِمْ، وَتَعْرِيضًا بِتَخْوِيفِ الْمُسْلِمِينَ، ليكرّه إيَّاهُم لأحوال أَهْلِ الْكُفْرِ.
وَقَوْلُهُ: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى جَوَابٌ لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ إِعْرَاضٌ عَنْ مُجَادَلَتِهِمْ إِذْ لَا جَدْوَى فِيهَا لِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ كُفْرًا وَنِفَاقًا فَلَيْسُوا مِمَّنْ تَشْمَلُهُمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُهُ: (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى) الْآيَةَ. تَفْرِيعٌ عَلَى الْوَعِيدِ فِي قَوْلِهِ: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) .
وَالْمَجِيءُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَالْبَلَاغِ، أَيْ مَنْ عَلِمَ هَذَا الْوَعِيدَ، وَهَذَا عُذْرٌ لِمَنِ اسْتَرْسَلَ عَلَى مُعَامَلَةَ الرِّبَا قَبْلَ بُلُوغِ التَّحْرِيمِ إِلَيْهِ، فَالْمُرَادُ بِالْمَوْعِظَةِ هَذِهِ الْآيَةُ وَآيَةُ آلِ عِمْرَانَ.
وَالِانْتِهَاءُ مُطَاوِعُ نَهَاهُ إِذَا صَدَّهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ، وَكَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّهَى - بِضَمِّ النُّونِ - وَهُوَ الْعَقْلُ.
وَمَعْنَى «فَلَهُ مَا سَلَفَ» ، أَيْ مَا سَلَفَ قَبْضُهُ مِنْ مَالِ الرِّبَا لَا مَا سَلَفَ عَقْدُهُ وَلَمْ يُقْبَضْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ - الْآتِي - (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ) [الْبَقَرَة: 279] .
(وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)
وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هاته الْآيَةِ وَنَحْوِهَا الْخَوَارِجُ الْقَائِلُونَ بِتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ كَمَا تَمَسَّكُوا بِنَظَائِرِهَا.
وَغَفُلُوا عَنْ تَغْلِيظِ وَعِيدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي وَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ إِذِ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ قَرِيبٌ عَهْدُهُمْ بِكَفْرٍ.
وَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ أَدِلَّةِ الْكتاب وَالسّنة.