(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ(43)
وَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (فِي مَنامِكَ) بِفعل (يُرِيكَهُمُ) فالإراءة إراءة رُؤْيا، وأسندت الإراءة إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ رُؤْيَا النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْيٌ بِمَدْلُولِهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى، حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ (قالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) [الصافات: 102] فَإِنَّ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَغْلِبُهَا الْأَخْلَاطُ، وَلَا تَجُولُ حَوَاسُّهُمُ الْبَاطِنَةُ فِي الْعَبَثِ، فَمَا رُؤْيَاهُمْ إِلَّا مُكَاشَفَاتٌ رُوحَانِيَّةٌ عَلَى عَالَمِ الْحَقَائِقِ.
وَكَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى رُؤْيَا مَنَامٍ، جَيْشَ الْمُشْرِكِينَ قَلِيلًا، أَيْ قَلِيلَ الْعَدَدِ وَأَخْبَرَ بِرُؤْيَاهُ الْمُسْلِمِينَ فَتَشَجَّعُوا لِلِقَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَحَمَلُوهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَزَالَ عَنْهُمْ مَا كَانَ يُخَامِرُهُمْ مِنْ تَهَيُّبِ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ.
فَكَانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا مِنَّةً مِنَ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَتْ قِلَّةُ الْعَدَدِ فِي الرُّؤْيَا رَمْزًا وَكِنَايَةً عَنْ وَهَنِ أَمْرِ الْمُشْرِكِينَ لَا عَنْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ.
وَلِذَلِكَ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي رُؤْيَا النَّوْمِ دُونَ الْوَحْيِ، لِأَنَّ صُوَرَ الْمَرَائِي الْمَنَامِيَّةِ تَكُونُ رُمُوزًا لِمَعَانٍ فَلَا تُعَدُّ صُورَتُهَا الظَّاهِرِيَّةُ خُلْفًا، بِخِلَافِ الْوَحْيِ بِالْكَلَامِ.
وَقَدْ حَكَاهَا النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ رُؤْيَا النَّبِيءِ وَحْيٌ، وَقَدْ يَكُونُ النَّبِيءُ قَدْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى تَعْبِيرِهَا الصَّائِبِ، وَقَدْ يَكُونُ صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَظَنَّ كَالْمُسْلِمِينَ ظَاهِرَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ.
فَرُؤْيَا النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تُخْطِئْ وَلكنهَا أَوهمتهم قِلَّةَ الْعَدَدِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَرْغُوبُهُمْ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ حَاصِلٌ، وَهُوَ تَحَقُّقُ النَّصْرِ، وَلَوْ أُخْبِرُوا بِعَدَدِ الْمُشْرِكِينَ كَمَا هُوَ لَجَبُنُوا عَنِ اللِّقَاءِ فَضَعُفَتْ أَسْبَابُ النَّصْرِ الظَّاهِرَةُ الْمُعْتَادَةُ الَّتِي تُكْسِبُهُمْ حُسْنَ الْأُحْدُوثَةِ.
وَهَذِهِ الرُّؤْيَا قَدْ مَضَتْ بِالنِّسْبَةِ لِزَمَنِ نُزُولِ الْآيَةِ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ حَالَةِ الرُّؤْيَا الْعَجِيبَةِ.
وَالْقَلِيلُ هُنَا قَلِيلُ الْعَدَدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (كَثِيرًا) أَرَاهُ إِيَّاهُمْ قَلِيلِي الْعَدَدِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُكَاشَفَةِ النَّوْمِيَّةِ كِنَايَةً عَنِ الْوَهَنِ وَالضَّعْفِ.
فَإِنَّ لُغَةَ الْعُقُولِ وَالْأَرْوَاحِ أَوْسَعُ من لُغَة التخاطب، لِأَنَّ طَرِيقَ الِاسْتِفَادَةِ عِنْدَهَا عَقْلِيٌّ مُسْتَنِدٌ إِلَى مَحْسُوسٍ، فَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الِاسْتِدْلَالِ الْعَقْلِيِّ الْمَحْضِ وَبَيْنَ الِاسْتِفَادَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَمَعْنَى: (وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ) أَنَّهُ لَوْ أَرَاكَهُمْ رُؤْيَا مُمَاثِلَةً لِلْحَالَةِ الَّتِي تُبْصِرُهَا الْأَعْيُنُ لَدَخَلَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ الْفَشَلُ، أَيْ إِذَا حَدَّثَهُمُ النَّبِيءُ بِمَا رَأَى، فَأَرَادَ اللَّهُ إِكْرَامَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ نُفُوسَهُمْ هَلَعٌ، وَإِنْ كَانَ النَّصْرُ مَضْمُونًا لَهُمْ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا يَقْتَضِي أنّ الإراءة كَانَتْ مُتَعَيِّنَةً وَلِمَ يَتْرُكِ اللَّهُ إِرَاءَتَهُ جَيْشَ الْعَدُوِّ فَلَا تَكُونَ حَاجَةٌ إِلَى تَمْثِيلِهِمْ بِعَدَدٍ قَلِيلٍ؟
قُلْتُ: يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَا أَنْ يَرَى رُؤْيَا تَكْشِفُ لَهُ عَنْ حَالِ الْعَدُوِّ، فَحَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ، وَجَنَّبَهُ مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى كَدَرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَعْلِمَ رَبَّهُ عَنْ حَالِ الْعَدُوِّ.
وَالْفَشَلُ: الْجُبْنُ وَالْوَهَنُ.
وَالتَّنَازُعُ: الِاخْتِلَافُ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْخُطَّةُ الَّتِي يَجِبُ اتِّبَاعُهَا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ مِنْ ثَبَاتٍ أَوِ انْجِلَاءٍ عَنِ الْقِتَالِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْأَمْرِ) لِلْعَهْدِ وَهُوَ أَمْرُ الْقِتَالِ وَمَا يَقْتَضِيهِ.
(وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ) مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ رَفْعُ مَا فُرِضَ فِي قَوْلِهِ: (وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا)
فَمَفْعُولُ (سَلَّمَ) وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفَانِ إِيجَازًا إِذْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ) وَالتَّقْدِيرُ: سَلَّمَكُمْ مِنَ الْفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ بِأَنْ سَلَّمَكُمْ مِنْ سَبَبِهِمَا، وَهُوَ إِرَاءَتُكُمْ وَاقِعَ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى كَثْرَةِ الْعَدُوِّ يُلْقِي فِي النُّفُوسِ تَهَيُّبًا لَهُ وَتَخَوُّفًا مِنْهُ، وَذَلِكَ يُنْقِصُ شَجَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوَفِّرَ لَهُمْ مُنْتَهَى الشَّجَاعَةِ.
وَوُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ فِي قَوْلِهِ: (وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ) دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَلَكِنَّهُ سَلَّمَ، لِقَصْدِ زِيَادَةِ إِسْنَادِ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ بِعِنَايَتِهِ، وَاهْتِمَامًا بِهَذَا الْحَادِثِ.
وَجُمْلَةُ: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) تَذْيِيلٌ لِلْمِنَّةِ، أَيْ: أَوْحَى إِلَى رَسُولِهِ بِتِلْكَ الرُّؤْيَا الرَّمْزِيَّةِ، لِعِلْمِهِ بِمَا فِي الصُّدُورِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ تَأَثُّرِ النُّفُوسِ بِالْمُشَاهَدَاتِ وَالْمَحْسُوسَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَأَثَّرُ بِالِاعْتِقَادَاتِ.
وَمعنى (بِذاتِ الصُّدُورِ) الْأَحْوَالُ الْمُصَاحِبَةُ لِضَمَائِرِ النُّفُوسِ، فَالصُّدُورُ أُطْلِقَتْ عَلَى مَا حَلَّ فِيهَا مِنَ النَّوَايَا وَالْمُضْمَرَاتِ، فَكَلِمَةُ (ذَاتِ) بِمَعْنَى صَاحِبَةِ، وَهِيَ مُؤَنَّثُ (ذُو) أَحَدِ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ، يَعْنِي أَنَّ ذَاتَ الصُّدُورِ الْحَالَةُ الَّتِي قَرَارَتُهَا الصُّدُورُ فَهِيَ صَاحِبَتُهَا وَسَاكِنَتُهَا، فَذَاتُ الصُّدُورِ النَّوَايَا وَالْخَوَاطِرُ وَمَا يَهُمُّ بِهِ الْمَرْءُ وَمَا يدبّره ويكيده.