(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا يَفْعَلُونَ(46)
وَجَاءَ الْكَلَامُ عَلَى طَرِيقَةِ إِبْهَامِ الْحَاصِلِ مِنَ الْحَالَيْنِ لِإِيقَاعِ النَّاسِ بَين الْخَوْف والرجاء وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ بِهِ النَّبِيءَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْمُرَادُ بِـ (بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) هُوَ عَذَابُ الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ أُوعِدُوا بِعَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ) .
فَالْمَعْنَى إِنْ وَقَعَ عَذَابُ الدُّنْيَا بِهِمْ فَرَأَيْتَهُ أَنْتَ أَوْ لَمْ يَقَعْ فَتَوَفَّاكَ اللَّهُ فَمَصِيرُهُمْ إِلَيْنَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَدْ أَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِمَا لَقُوا مِنَ الْقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَبِمَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْإِهَانَةِ، وَقَتْلِ صَنَادِيدِهِمْ.
ثُمَّ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ عَذَابَ الدُّنْيَا إِرْضَاءً لَهُ أَيْضًا إِذْ كَانَ يَوَدُّ اسْتِبْقَاءَ بَقِيَّتِهِمْ وَيَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ.
فَأَمَّا الْكُفْرُ بِاللَّهِ فَجَزَاؤُهُ عَذَابُ الْآخِرَةِ.
وَتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ وَهُوَ (مَرْجِعُهُمْ) للاهتمام.
وَجُمْلَة: فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ اسْمِيَّةٌ تُفِيدُ الدَّوَامَ وَالثَّبَاتَ، أَيْ ذَلِكَ أَمْرٌ فِي تَصَرُّفِنَا دَوْمًا.
(ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا يَفْعَلُونَ)
وَحَرْفُ (ثُمَّ) لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ كَمَا هُوَ شَأْنُ (ثُمَّ) فِي عَطْفِهَا الْجُمَلَ.
فَإِنَّ جُمْلَةَ: (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا يَفْعَلُونَ) لِاشْتِمَالِهَا عَلَى التَّعْرِيضِ بِالْجَزَاءِ عَلَى سُوءِ أَفْعَالِهِمْ كَانَتْ أَهَمَّ مَرْتَبَةً فِي الْغَرَضِ وَهُوَ غَرَضُ الْإِخْبَارِ بِأَنَّ مَرْجِعَهُمْ إِلَى اللَّهِ، لِأَنَّ إِرْجَاعَهُمْ إِلَى اللَّهِ مُجْمَلٌ وَاطِّلَاعُهُ عَلَى أَفْعَالِهِمُ الْمُكَنَّى بِهِ عَنْ مُؤَاخَذَتِهِمْ بِهَا هُوَ تَفْصِيلٌ لِلْوَعِيدِ الْمُجْمَلِ، وَالتَّفْصِيلُ أَهَمُّ مِنَ الْإِجْمَالِ.
وَقَدْ حَصَلَ بِالْإِجْمَالِ ثُمَّ بِتَفْصِيلِهِ تَمَامُ تَقْرِيرِ الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ وَتَأْكِيدُ الْوَعِيدِ.
وَأَمَّا كَوْنُ عَذَابِ الْآخِرَةِ حَاصِلًا بَعْدَ إِرْجَاعِهِمْ إِلَى اللَّهِ بِمُهْلَةٍ جُمِعَ مَا فِيهِ مِنْ تَكَلُّفِ تَقَرُّرِ تِلْكَ الْمُهْلَةِ هُوَ بِحَيْثُ لَا يُنَاسِبُ حَمْلَ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ عَلَى التَّصَدِّي لِذِكْرِهِ.
وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: (يَفْعَلُونَ) لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، فَأَمَّا مَا مَضَى فَهُوَ بِعِلْمِهِ أَجْدَر.