(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15)
وَذِكْرُ (يَسْتَهْزِئُ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ مُجَازَاةٌ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ.
وَلِأَجَلِ اعْتِبَارِ الِاسْتِئْنَافِ قُدِّمَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ.
وَلم يقل يستهزئ اللَّهُ بِهِمْ لِأَنَّ مِمَّا يَجُولُ فِي خَاطِرِ السَّائِلِ أَنْ يَقُولَ مَنِ الَّذِي يَتَوَلَّى مُقَابَلَةَ سُوءِ صَنِيعِهِمْ فَأُعْلِمَ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ هُوَ رَبُّ الْعِزَّةِ تَعَالَى، وَفِي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الْمُنْتَصِرِ لَهُمْ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) [الْحَج: 38] فَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ هُنَا لِإِفَادَةِ تَقَوِّي الْحُكْمِ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ قَصْرُ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فِي سِيَاقِ الْإِيجَابِ يَأْتِي لِتَقَوِّي الْحُكْمِ وَيَأْتِي لِلْقَصْرِ عَلَى رَأْيِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَاهِرِ وَصَاحِبِ «الْكَشَّافِ» كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فِي(سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ) [20] ، كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَصْدِ التَّقَوِّي وَقَصْدِ التَّخْصِيصِ جَائِزًا فِي مَقَاصِدِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ.
وَجِيءَ فِي حِكَايَةِ كَلَامِهِمْ بِالْمُسْنَدِ الِاسْمِيِّ فِي قَوْلِهِمْ (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) [الْبَقَرَة: 14] لِإِفَادَةِ كَلَامِهِمْ مَعْنَى دَوَامِ صُدُورِ الِاسْتِهْزَاءِ مِنْهُمْ وَثَبَاتِهِ بِحَيْثُ لَا يُحَوَّلُونَ عَنْهُ.
وَجِيءَ فِي قَوْلِهِ: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) بِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ أَيْ تَجَدُّدِ إِمْلَاءِ اللَّهِ لَهُمْ زَمَانًا إِلَى أَنْ يَأْخُذَهُمُ الْعَذَابُ، لِيَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ النِّفَاقِ مِنَ النِّعْمَةِ إِنَّمَا هُوَ إِمْلَاءٌ وَإِنْ طَالَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ) [آل عمرَان: 196] .
(وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)
و (يمد) فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَدَدِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ، يُقَالُ مَدَّهُ إِذَا زَادَهُ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الْهَمْزَةِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَقَدْ يَقُولُونَ أَمَدَّهُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ جَعَلَهُ ذَا مَدَدٍ ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ مَدَّ فِي الزِّيَادَةِ فِي ذَاتِ الْمَفْعُولِ نَحْوُ مَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَمَدَّ الْأَرْضَ أَيْ مَطَّطَهَا وَأَطَالَهَا، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُ (أَمَدَّ) الْمَهْمُوزِ فِي الزِّيَادَةِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ أَشْيَاءَ يَحْتَاجُهَا نَحْوُ أَمَدَّهُ بِجَيْشٍ: (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ) [الشُّعَرَاء: 133] .
وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ هَذَا فِي مَوْضِعِ الْآخَرِ عَلَى الْأَصْلِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْتِعْمَالِ.
وَقِيلَ يَخْتَصُّ (أَمَدَّ) الْمَهْمُوزُ بِالْخَيرِ نَحْو: (أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ) [النَّمْل: 36] (أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ) [الْمُؤْمِنُونَ: 55] ، وَيَخْتَصُّ (مَدَّ) بِغَيْرِ الْخَيْرِ.
وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ (يَمُدُّ) إِلَى ضَمِيرِهِمُ الدَّالِّ عَلَى أَدَبٍ أَوْ ذَوْقٍ مَعَ أَنَّ الْمَدَّ إِنَّمَا يَتَعَدَّى إِلَى الطُّغْيَانِ جَاءَتْ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِجْمَالِ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ لِيَتَمَكَّنَ التَّفْصِيلُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ مِثْلُ طَرِيقَةِ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ.
وَالطُّغْيَانُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الْغُفْرَانِ وَالشُّكْرَانِ، وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الطَّغْيِ وَهُوَ الْإِفْرَاطُ فِي الشَّرِّ وَالْكِبْرِ.
وَالْعَمَهُ انْطِمَاسُ الْبَصِيرَةِ وَتَحَيُّرُ الرَّأْيِ وَفِعْلُهُ عَمِهَ فَهُوَ عَامِهٌ وَأَعْمَهُ.
وَإِسْنَادُ الْمَدِّ فِي الطُّغْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِسْنَادُ خَلْقٍ وَتَكْوِينٍ مَنُوطٍ بِأَسْبَابِ التَّكْوِينِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُصُولِ الْمُسَبَّبَاتِ عِنْدَ أَسْبَابِهَا.
وَإِنَّمَا أَضَافَ الطُّغْيَانَ لِضَمِيرِ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَقُلْ فِي الطُّغْيَانِ بِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: [202] (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) إِشَارَةً إِلَى تَفْظِيعِ شَأْنِ هَذَا الطُّغْيَانِ وَغَرَابَتِهِ فِي بَابِهِ وَأَنَّهُمُ اخْتَصُّوا بِهِ حَتَّى صَارَ يُعْرَفُ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِمْ.